جديدنا

الانتصار على الحصار : حصار شعب بني هاشم ، الذكرى والواقع* .. إعداد/ أمة الكريم الذارحي

الانتصار على الحصار : حصار شعب بني هاشم ، الذكرى والواقع* .. إعداد/ أمة الكريم الذارحي

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة:

مع قدوم ذكرى المولد النبوي الشريف ، مولد النور والنصر ، مولد الحرية والكرامة ، يستبشِر الشعب اليمني بالنصر المؤزّر كلَّ يوم وهو يسطِّر أروع البطولات والانتصارات في جبهات الشرف والبطولة من أحرار الجيش واللجان الشعبية، ويزداد إيمان هذا الشعب العزيز بصدقِ الوعودِ الإلهية بالنصر على الأعداء والعدوان والحصار مهما طالت مدته، ومهما تكالبت عليه المحن، واجتمعت ضده كل طواغيت الأرض ؛ لأن النصر دائما للمستضعفين والمؤمنين كما قال الله تعالى: (وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ)، والنبي الأعظم قد شهد لشعبنا اليمني ببشرى النصر ايضا حيث قال: (إني لأجِد نفَسَ الرحمن من اليمن) .

تمرُّ ذكرى المولد الشريف للنبي الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، واليمن يتعرَّض لأبشعِ عدوانٍ عرفه التاريخ المعاصر، فارتكب فيه أبشع المجازر والمذابح وتعرَّض لحصارٍ جائرٍ برا وبحرا وجوا فحرَمه من أبسط حقوقه من الماء والغذاء، واستهدَف المصانعَ والمخازِنَ والأسواقَ والمنشئات الحيوية، وفاقم مشكلة المجاعة، وفرض قيودا على السفن العالقة في الموانئ وعلى المطارات ، خصوصا العالقين في البلدان الأخرى، وعدم التمكن من ارسال المرضى للخارج الذين يصعب علاجهم بسبب انعدام الإمكانات الطبية والدواء، مما أدى الى وفاة الكثير منهم والبعض اصيبوا بإعاقات مستديمة.

ولهذا فإن احتفاءنا بالمولد النبي الأعظم رغم صلافة وعنجهية العدوان السعودي الامريكي وهو يقارب عامه الثاني، يجعلنا نستحضِر جزءا من سيرته – محور موضوعنا – وهو الحصار الجائر الذي عانى منه النبي ومن معه من القلة المستضعفة من المؤمنين في شعب بني هاشم ، والذي ظنت قريش أنها ستكون وسيلة ضغط ناجعة ومثمرة خصوصا بعد فشلها في كل المحاولات لتسليم النبي صلى الله عليه وآله وسلم والقضاء عليه وعلى رسالته. ومع ان الحصار استمر لمدة 3 اعوام ذاق فيه المؤمنون الوان العذاب والجوع والألم النفسي والجسدي؛ إلا ان ذلك لم يزِدْهم الا عزما وثباتا، اما قريش فنالوا به خيبة وذلا.

تماما كما هو حال الشعب اليمني اليوم وهو يدخل عامه الثاني من الحصار المطبِق فلم يستسلم، وانما اتجه مستعينا بالله و الى الانفاق في سبيل الله بالمال والغذاء الذي لم ينقطع الى يومنا هذا، مستمدا كل ذلك الصبر والنصر من النهج المحمدي والتحرك العلوي. فالطغاة هم الطغاة بإجرامهم وقبحهم مهما تعددت ادواتهم واساليبهم، والمؤمنون هم المؤمنون بثباتهم وصدقهم .

من خلال هذا الواقع نتطلع الى هذه الذكرى لنرى أن فيها كل الدروس والعبر التي نحتاج اليها نورا وبصيرة ووعيا ومشروعا عمليا يقود امتنا الى الخلاص والى الفرج والى التغيير من الواقع السيئ الى الواقع المنشود الذي يمثل الخير والعز لهذة الأمة . (من خطاب السيد عبد الملك الحوثي 1437هـ)

ماهو الحصار ؟

الحصار لغة: هو: الجمع والحَبْس والمنع([1]). و (حصره) العدو يحصرونه أي ضيقوا عليه وأحاطوا به[2]. أما اصطلاحا فكثيرا ماتركِّز معظم الموسوعات العالمية في تعريفها على الحصار العسكري بأنه عملية حربية تمارسها قوة ضد منطقة محصّنة أو مدينة بقصد احتلالها.

ويمكن تعريفه بأنه التضييق والمنع الذي تقوم به دولة ما أو مجموعة دول أو جماعة ضد جماعة ما أو دولة ما بهدف التأثير عليها سياسياً أوإضعافها عسكرياً واقتصادياً، وإحداث الضغط والتأثير عليها بما يخدم المصالح العليا العامة لتلك الدولة والرضوخ لشروطها. وهناك أنواع ومسميات عديدة للحصار؛ منها الحصار السياسي، والحصار السلمي، والحصار الدبلوماسي، والإعلامي، إلا أن اشهرها واكثرها تداولا وإيلاما هو الحصار الإقتصادي لما له تأثيرٍ وتدميرٍ مباشرٍ للموارد البشرية والاقتصادية معا، بل ويعتبَر جريمة بحق الإنسانية تماما كحروب الابادة الجماعية والقتل.

أسباب الحصار ونماذجه :

لقد أدركَتْ دولُ الاستكبار في العالم بأن التحكم بالبلدان ونهب ثروات الشعوب لايكفي بامتلاك القوة العسكرية لاستعمارها والهيمنة عليها، بل هي بحاجة لوسائل أخرى للتحكُّم بها خصوصا عندما تفشل عسكريا؛ لذا فإنها تلجأ الى الجانب الاقتصادي، و كان الحصار أحد تلك الوسائل المباشرة لإخضاع تلك البلدان وشعوبها لسياستها الاستعمارية والحد من نشاطها الاقتصادي وتفوقها المعرفي والتكنولوجي خوفا من استقلالها وخروجها عن هيمنة تلك الدول او شعورها في لحظة ما بالموقف العدائي والمناهض لها من تلك الشعوب.

وهذا هو حال دول الاستكبار دائما فقد استطاعت هذه الدول و بمساعدة الأنظمة العميلة أن تمنع الشعوب من الزراعة والتوجه الى الصناعة وحالوا دون الاستقرار الاقتصادي والاكتفاء الذاتي لانهاكها بالديون وجعلها دولا استهلاكية لأسواقهم ومنتجاتهم، وإذا أرادت دولة ما تحقيق الاكتفاء الذاتي والاستقلال السياسي والسيادي والاقتصادي ورفض التبعية ، فرضوا عليها عدوانا وحاربوها بكل الوسائل، الا انها وفي نهاية المطاف لم تستطع أن تحقق اهدافها ولم يضعِفْها، بل حاولت معرفة نقاط الخلل وإيجاد البدائل والحلول؛ لأن إرادة الشعوب والإيمان بالقضية والعدالة وحق العيش بحرية هي من قهرتها ومرَّغت أنفها في التراب.

من ذلك: الحصار الخانق على غزة عام 2007م الذي حصل بعد أحداثٍ دامية، حيث منع الغذاء والدواء والكثير من السلع، ودُمِّرت منشئات الكهرباء والمطارات، وأُغْلِقت المعابر، ولم يبق للفلسطينين سوى الأنفاق الارضية حيث حاولوا من خلالها التزود بالغذاء من مصر وغيرها من الدول بعد نفاذها تماما من القطاع.

كذلك الحرب المفروضة على ايران بعد انتصار الثورة الاسلامية عام 1979 م ثم تلاها الحصار والعقوبات الدولية التي دخلت في حرب اقتصادية طويلة مدة35 عاما، وخسرت ايران من اقتصادها مئات المليارات خصوصا في ما يتعلق بالاستثمارات الأجنبية والأموال المجمَّدة في البنوك والتصدير والنفط.

ايضا في سوريا التي بدأت بتحقيق الاكتفاء الذاتي من الزراعة والصناعة المتقدمة، كما أن دعمها لمواقف المقاومة وقضية فلسطين كان السبب للحرب المفروضة عليها من قبل امريكا واسرائيل وبدعم خليجي.

العراق ايضا الذي بدأ يستعيد عافيته وسيادته من الحرب والحصار وغيرها من الدول الحرة كفنزويلا وكوبا وكوريا الشمالية والتي رفضت الهيمنة الصهيونية الأمريكية الرأسمالية على شعوبها.

ولم تكن اليمن بعيدة عن هذه المؤامرة الكونية فعندما وقفَت في وجه الطغاة وتحررت من الهيمنة والوصاية الامريكية السعودية، واسقطت كبار المنافقين والعملاء، نتيجة الوعي والمشروع القرآني الذي قدَّمه الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي رضوان الله عليه، كحلٍّ حقيقي لخروج الأمة من سباتها وذلها، ولتعود أمة عزيزة قوية تحظى بنصر الله وتأييده. وعندما لم تستطع دول الاستكبار امريكا واسرائيل ومن معهم من الأعراب ثني الشعب وتطويعه شنت عدوانها الظالم وارتكبت فيه أبشع الجرائم والمجازر.

ومنذ يومه الأول لم يغفل لحظة واحدة عن ضرب الاقتصاد اليمني فبدأ باستهداف المنشآت الحيوية والاقتصادية الهامة وكل مايتعلق بقوت الناس ورزقهم، وضيّق على الناس بالحصار وصناعة الأزمات في الخدمات وصولا الى قطع الرواتب ظنا بأن تقوم ثورة داخلية، فاذا بالشعب ينتصر على هذا الحصار بوعيه ومعرفته أن ما يحصل هو أحد أشكال العدوان فاستمرًّ في تقديم قوافل الخير التي تنبِئ عن كرَم وعزة هذا الشعب رغم الحصار والفقر واستطاع أن يُسْقِطَ كل رهانات العدو الخاسرة .

حصار ( شعب بني هاشم ) بين الذكرى والواقع

تذكُر لنا كتبُ السيرة: أن النبي الأكرم محمد صلى الله عليه وآله، ظل يدعو الى دين الاسلام والتوحيد عملا بقوله تعالى: (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ)، فاستجاب له القليل من أهله وقومه، فكان من قومه من يستهزئ ولا يكترث، فنزل أمر الله تعالى: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ)، فصعد النبي الى جبل الصفا ليدعو قريشا كلها فقال: (يا معشر قريش .. أرأيتم لو أخبرتكم ان خيلا بسفح هذا الجبل أكنتم مصدقيَّ؟) قالوا : نعم . فقال: (فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد) ثم قال: (يا بني عبد المطلب ، يابني عبد مناف ، يا بني زهرة ، يا بني مخزوم ..... لا أغني عنكم من الله شيئا الا أن تقولوا لا إله الا الله) ، ليصيح أبو لهب: تبا لك .. ألهذا جمعتنا؟. فنزلت سورة المسد.

بعد ذلك قرَّر كفار قريش الذهابَ لأبي طالب وإغراء النبي بأن يترك هذا الأمر لأنه يسب آلهتهم ويسفِّه أحلامهم، فإن أراد الملك ملَّكوه عليهم، وإن أراد المال جعلوه أكثر مالا، ولكن كان جواب النبي هو: (والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن اترك هذا الأمر ما تركتُه حتى يُظْهِرَه الله أو أهلك دونه)، وهكذا عادت قريش خائبة وخاسرة. وظلت تحيك المؤامرات والمكائد وتنشر الأكاذيب والأباطيل وتضلل العامة وتصف النبي صلوات الله عليه وآله، بالكذب والسحر والجنون، وأن ما يقوله إنما هو أساطير الأولين، ولكن القرآن كان يفضحهم كل مرة ويخزيهم.

قررت قريش أخيرا بأن تثني رسول الله وان تمنعه بالقوة خصوصا وهي ترى ان الناس يستجيبون له ويلتفون حوله من الضعفاء والعبيد وغيرهم، ورأت ان ابا طالب وبني هاشم باتوا يشكلون سندا له قويا، وأنهم لن يسلموه لهم، فقامت بتعذيب كل من أسلم من العبيد والضعفاء كبلال وخباب بن الأرت ووصهيب وال ياسر في حر الشمس، وبكل اشكاله، ويشتد العذاب عليهم فيأذن النبي بالهجرة الى الحبشة، وتنشر قريشا الاكاذيب بأنها تركت تعذيب المؤمنين فيرجع المسلمون، ولكن الرسول يأمرهم بالهجرة مرة اخرى، وتتوالى الأحداث ليعلن حمزة بن عبد المطلب اسلامه متحديا كل طواغيت القوم لتسقط هيبة قريش ويزداد المؤمنون منعة وقوة .

رأت قريشا أن تتخذ موقفا آخر وطريقة حرب جديدة، واستقر رأيها على مقاطعة وحصار بني هاشم وبني عبد المطلب وأن يكون من كل القبائل فكانت الوثيقة أن (لا يبيعوا منهم ولا يزوجوهم ولا يجالسوهم ولا يكلموهم حتى يسلموا محمدا ليقتلوه)، وكتبوا ذلك في صحيفة وتعاهدوا عليها وعلّقوها داخل الكعبة توكيدا من أنفسهم. ولما فعلت قريش ذلك انحاز بنو هاشم وبنو عبد المطلب وثلة من المومنين الصابرين ودخلوا مع ابي طالب في شعبه.

استمر الحصار ما يقارب الـ 3 سنوات أنفقت فيه خديجة كل مالها، وانفق بنو هاشم أموالهم في شراء الطعام سرا، وأكلوا من أوراق الشجر لشدة جوعهم، وحاصرت قريش أطفال بني هاشم ونساءهم صغارهم وكبارهم، حتى سُمِع صراخ وعويل الأطفال، ومنعت كل من يريد الدخول الى الشعب، كما كان أبو لهب يطلب من التجار زيادة السعر إن اراد احد من الهاشميين والطالبيين شراء غذاء ما.

وهكذا اشتد الأمر بالنبي ومن معه الى أن أذن الله بانتهاء الجور والظلم، فأخبر جبريل النبي بأن الصحيفة قد أكلتها الأرضة ولم تترك الا عبارة (باسمك اللهم)، وأخبر بذلك النبي محمد صلى الله عليه واله عمه أبا طالب، فذهب أبو طالب ليخبِر كفارَ قريش مافعل الله بصحيفتهم الظالمة، غير ان عنادهم وجدالهم جعلهم ينسبون ذلك الى السحر، وفي نفس الوقت تذكر السيرة ان هشام بن عمرو بن ربيعة استنهض مجموعة من وجهاء القبائل من بطون قريش بأن يمزِّقوا هذه الصحيفة، ويُنْهوا ذلك الميثاق ونادى زهير بن بن أبي أمية المخزومي في القوم: (إننا نأكل الطعام، ونلبس الثياب، وبنو هاشم هلكى لا يباعون ولا يبتاع منهم، والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة الظالمة)، فصاح أبو جهل وصاح زمعة بن الأسود مخاطبا أبا جهل بأنه لن يرضى عنها، وصاح ثان، وثالث، ورابع فاتجهوا ومن معهم الى الكعبة ورأوا أن الأرضة قد أكلتها، ولم تترك إلا اسم (الله)، فازدادوا عزما وإصرارا على كسر الحصار، وأخرجوا بني هاشم ومن معهم ليعودوا إلى بيوتهم وينتهي ذلك الحصار الظالم على بني هاشم ومن معهم.

عوامل النصر:

1-أهمية دور القبيلة في دعم الجبهة الداخلية وتكاتفها في نصرة المظلوم من أبناء جلدتها؛ فعندما بدأ الحصار على بني هاشم انضم منهم حتى من لم يكن على دين الإسلام من بني هاشم وبني المطلب رغبة في نصرة أهله وقومه ومشاركتهم في الشدائد، وفضَّلوا البقاء تحت الحصار، ورفضوا تسليم النبي لقريش. كذلك مَنْ أخذتهم الأنفة والحمية من أخوال وأبناء عمومة بني هاشم و بني المطلب الذين توجَّهوا لفك الحصار ومواجهة عدوان قريش أمثال هشام بن عمرو وزهير بن نوفل، وهذا هو حال القبيلة التي عُرِفَتْ بمكارم الأخلاق والغيرة والشجاعة وإغاثة الملهوف ونصرة والمظلوم.

واليوم نجد أن اليمن العظيم بكل قبائله وأحراره قد أصبح كتلة ولحمة واحدة على اختلاف مشاربهم وانتماءاتهم في مواجهة العدوان السعودي الأمريكي، لا تهزهم الأباطيل، ولا ترعبهم أراجيف المنافقين، وهذا مانراه واضحا وجليا في جبهات النكف القبلي ووثيقة الشرف القبلية التي دعا إليها السيد القائد عبد الملك الحوثي حفظه الله.

2-تجلي معاني الصبرعلى المِحَن والإيمان والتوكل على الله والثبات على المبدأ الحق على طول حركة الدعوة الإسلامية عامة وعلى الحصار الظالم والقتل والتعذيب لبني هاشم والمؤمنين خاصة، فثبات النبي واصحابه ومن معه وانتصارهم أخيرا دليلٌ على ان مع الشدة الفرج وأن مع العسر يسرا، وان النصر صبر ساعة .

واليوم الشعب اليمني الصابر المحتسب وهو يدخل عامه الثاني في مواجهته للعدوان العالمي وحصاره البربري، استطاع باعتماده على الله ان يَكْسِر قرْنَ الشيطان بإمكاناته البسيطة واثقا بأن النصر هو حليف الصادقين والمجاهدين في سبيل الله موقِنا ومدْرِكا قوله تعالى: (أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ) (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ).

3-عظمة دور المرأة في مساندة أخيها الرجل والشعور بالمسؤولية تجاه ما يحدُثُ من ظلمٍ وحصارٍ ومحاولة تقديم ما يمكنها فعله لدفع الظلم عن أهلها وعِرضها وشعبها؛ فها هي خديجة الكبرى سلام الله عليها كانت العون الأكبر والسند الأقوى ليس لرسول الله فحسب وانما للإسلام كافة؛ حيث بذلت مالها كله في نصرة الإسلام والمسلمين حتى ورد الأثر أن الإسلام قام على مال خديجة وسيف علي.

واليوم حرائر ونساء اليمن نجدهن يبذلْن كلَّ غالٍ ونفيسٍ من مالٍ ومجوهرات وحليٍّ، وتقدِّم القوافل إلى المجاهدين ناهيك عن تقديم رجال الرجال في ميادين الشرف والقتال، وهنا يبرز عظمة وضرورة الدور المتكامل نساء ورجالا الذي لابد منه في إعلاء دين الله، ومواجهة كل انحراف وظلم لتستقيم الحياة ويعم الخير والحق، (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ).

4-ظهور المعجزات الإلهية المؤيِّدة والناصرة للمؤمنين المستضعفين، والتي لا تكون إلا بعد تحرُّكٍ جادٍّ وصبرٍ حقيقي ممن هم يسيرون مع هدى الله متحمِّلين كلَّ أذىً في سبيله، هذه المعجزات لتثبيتهم وتطهيرِهم عن كل شك وزيغ قد يخدش في النفوس بسبب تأخر النصر وطول شدة البلاء، فها هي الأرضة استطاعت بقوة الله وهي تلك الدودة الصغيرة أن تعري وتذهب بوثيقة أولئك المستكبرين، الوثيقة الظالمة، لتبقي فقط اسم (الله) مَنْ هو ملك السموات والأرض، ومَنْ إليه يرجع الأمر كله لتقف قريش ومن معها من التحالف عاجزة حائرة تجر أذيال الخيبة أمام قوة الحق والمنطق والإيمان العملي الصادق.

واليوم يقف العالم منذهلا وحائرا أمام هذا الشعب اليمني العظيم، وكيف استطاع أن ينتصِر، وأن يصمُدَ أمام أبشعِ عدوانٍ عرفه التاريخ المعاصر، وضد حصار كاد أن يأكل الأخضر واليابس ومع ذلك ما زالت قوافل الكرم رغم الحصار والفقر، واستطاع ان يتكيف مع الظروف الصعبة، ويجد لها البدائل التي تضمن عيشه، كما أنه وهو يقاتل لا يملك سوى امكانات بسيطة كالشيكي والكلاشنكوف وبعض من الاسلحة التقليدية في مقابل أعتى طواغيت العالم بما يملكونه من امكانات ضخمة وصواريخ واسلحة تدميرية هائلة وحديثة، فنراه وقد تحقق تأييد الله له في كل جبهة وفي كل سهل، وفي كل جبل ، فاتحا منتصرا، ومردِّدا مع كل غزوة وكل نصر، (وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـكِنَّ اللّهَ رَمَى) .

5-العوامل المكانية (الجغرافيا)، فشِعب بني هاشم كان الاستراتيجية الأولى و الأبرز التي أحسن أبو طالب اعتمادها، فبعد اعلان الحصار دعى أبوطالب بني هاشم أن ينزلوا في شعب أبي طالب ويسكنوا متقاربين كي يحموا أنفسهم ويحموا النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الاغتيال، وجعل الشِعب تحت الحراسة الدائمة وبشكل متناوب. وكان المسلمون وبنو هاشم يستطيعون الخروج من الشعب في موسم الحج ويتعاملون مع الحجيج القادمين من خارج مكة[3]؛ فالشِعب هو الفجوة بين جبلين، ويقصد به الوادي، ولا بأس ان نعرف مميزات المناطق الجبلية والسهلية والتي ساعدت بني هاشم في مواجهة الحصار؛ ففي هذه المناطق يتوفر عنصر الحماية الطبيعية من كونها عائقا أمام تقدم الأعداء، كما تتميز بوفرة المياة و القوى المائية من الأمطار والأنهار وتعدد البيئات الزراعية تبعا لتنوع الارتفاع اضافة للمناخ الذي تتميز به صيفا وشتاء ووفرة المعادن والأخشاب من الأشجار. وبالرغم من ان السيرة لم تذكر لنا جغرافية المكان إلا أنه يمكننا ان نتخيل كيف كان ذلك الشِّعب بأنه كان عاملا مساعدا من الناحية الأمنية وفي تخفيف وطأة وشدة الحصار من الناحية الاقتصادية والا لما اختاره أبو طالب بعد أن أعلنت قريش ومن معها من قبائل التحالف هذه الوثيقة وعلّقتها على جدار الكعبة.

واليمن السعيد قد عُرِف بطبيعته الجبلية المتنوعة حيث التنوع المناخي وتنوع النشاط البشري حيث الزراعة والسدود كما أن الطبيعة الجبلية الوعرة في اليمن كانت عائقا قويا أمام العدو وطالما أنهكته إن أراد التقدُّم برا إلا أن هذا العدو ما استخدم سلاح الجو إلا لعجزة وعدم قدرته على التوغل في هذه المناطق.

6-الالتفاف حول القيادة الحكيمة والصادقة والمشروع القرآني، فالايمان بالله وبالرسول والوثوق بعزة الله وبنصره والعمل على إقامة القسط الذي جاء به خير البشر محمد صلى الله عليه وآله، وهو الصادق الأمين والرحمة المهداة للعالمين، هو ما جعل أولئك المؤمنين المستضعَفين أكثر إيمانا ووعيا وصبرا وثباتا أمام تلك المحن التي كانت تتوالى عليهم (وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ).

ونحن اليوم وقد أكرمنا الله بالمسيرة القرآنية التي جاء بها الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي رضوان الله عليه، والتي بنى من خلالها أمة واعية عزيزة قادرة على مواجهة التحديات الكبرى التي تهدِّد وجودَها وأرضها من قبل أعدائها. هذه الأمة المجاهدة نراها اليوم ملبية نداء قائد المسيرة السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي حفظه الله الذي تصدى لقيادة معركة الدفاع المقدس ضد العدوان بكل شجاعة وحكمة واقتدار، ليس في اليمن وحسب بل ولكل الشعوب المستضعفة؛ فلطالما كانت القيادة الحكيمة والأمة الواعية السبب في النصر بعد الله سبحانه وتعالى.

للتأمل والتذكر:

هناك عدة نقاط استوقفت الباحثه خلال قراءة هذه المرحلة من التاريخ والتي نجدها تتكرر دائما خصوصا ما يتعلق بالصراع بين الحق وأهله وبين الباطل وحزبه، ولابأس أن نشير اليها وهي:

أولا : التأكيد على أن العدوان و الحصار الظالم الذي فرضته قريش للقضاء على النبي ومن معه لم تكن تقصد به فقط النبي محمد صلى الله عليه وآله، وانما كان المقصود به أيضا بني هاشم أنفسهم الذين طالما ساندوه في دعوته وكانوا خير معين وناصر، متصدرا ذلك المشهد عمه ابو طالب الذي تكفَّل وتشرف بحمايته طوال حياته معلنا إيمانه ومؤازرته لابن أخيه ولو كلف ذلك حياته. ولطالما كنّت قريش لبني هاشم الحقد والحسد؛ لما امتازت به بنو هاشم من كرم الأخلاق والصفات الحميدة كالجود والرجولة والتنزه عن الرذائل[4]. ومن أبرز فضائلهم ماجاء في حلف الفضول الذي مثل فيه الهاشميون قطب الرحا في نصرة المظلوم والوقوف بوجه الظالمين[5]، وقد كرهت بطون قريش من أمية وغيرهم ان يكون شرف النبوة في بني هاشم حسدا وبغضا وخوفا على مصالحها وخروج الزعامة منها ، وهذا ما جعلها تتجاهل صوت العقل والحق والإصرار على نشر الأكاذيب والأباطيل لكلِّ من أراد أن يدخل دين الاسلام؛ ولهذا عندما رأوا ان قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم مستصعب بسبب الموقف الهاشمي رأت أن تتخذ من سلاح المقاطعة والحصار الذي لم يكن اقتصاديا فحسب وانما اجتماعيا واعلاميا، فاتحدت جميع القبائل على رأسها الفرع الأموي ضد الفرع الهاشمي واعتبروا ذلك عهدا ولزاما عليهم على محاربتهم .

وها هو التاريخ يذكر العديد من المآسي والويلات من تشريد وظلم وقتل وحصار وما لاقاه النبي وعترته من بني هاشم فهو الذي قال: (إنه لم يؤذَ نبي مثل ما أوذيت)، وها هو الإمام على عليه السلام يحاصَر في بيته ويعزَل في مؤامرة السقيفة ثم يحارَب ويحاصَر ويقتَل من قبل معاوية وبني أمية عملا بوصية أبيهم أبي سفيان ، في أمر الزعامة، حين قال: (تلقفوها يا بني أمية تلقف الكرة، فو الذي يحلف به أبو سفيان ما من جنة ولا نار)، وكذلك ما حدث للإمام الحسن والحسين عليهما السلام من واقعة المدائن وكربلاء، والإمام زيد عليه السلام، والقاسم الرسي وكل أهل البيت عليهم السلام الذين شُرِّدوا وحوصروا في الجبال والوديان من قبل أئمة الجور والطغاة من بني أمية وبني مروان خوفا من أن يُصْدَع يالحق فيصل صوت الحرية للمستضعفين.

وبالأمس القريب نتذكر حسين العصر الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي رضوان الله عليه في كربلاء (مران) حين حوصر في جرفه ومن معه من الثلة المؤمنة من الرجال ومن النساء والأطفال من قبل السلطة الظالمة، حين نادى فيها بمشروعه القرآني وثقافته القرآنية التي رأى أن فيها الحل والمخرج للأمة المستضعفة المغلوبة على أمرها من قبل أرباب الكفر أمريكا واسرائيل، فتكررت مأساة بني هاشم وآل البيت عليهم والسلام وأنصارهم، واجتمعت جحافل الطغاة من قبل السلطة الظالمة وعملائها بدعم من أسيادهم الأمريكيين فحاربته وحاصرت صعدة وأهلكت الحرث والنسل لمدة ست حروب عبثية، ونسجت الخرافات والأباطيل، وضلَّلت العامة، وعملت على شيطنة أنصار الله ومشروعهم القرآني الثقافي لتبرير جرائمها البشعة وللحصول على الدعم الدولي[6]، وكل ذلك رغبة في طاعة الشيطان الأكبر وحبا في الجاه الذي لم يدم لها بل كان الخزي والعار هو حليفها، وهذه هي سنة الله في الفراعنه والجبابرة على مر العصور.

ثانيا: اتخاذ المقدسات ذريعة لانتهاك الحرمات وتمرير المشاريع القذرة اللإنسانية في استباحة الدماء والأعراض، التي هي أعظم حرمة عند الله؛ فهاهي قريش تعلن تحالفها من جوار الكعبة المشرَّفة وتعلِّق وثيقة الحلف في جوف الكعبة لإضفاء الشرعية الدينية ضد من سفَّه أحلامهم وسبَّ آلهتهم، (أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ). واليوم يقوم ما يسمى التحالف عدوانه وحصاره على اليمن بسبب انقلابه على الشرعية المزعومة، كما ان عملاءهم من علماء السلطة نراهم ينعقون بالأكاذيب والتهم مِن على منابر الحرمين ضد من يسمونهم الرافضة المجوس !! وليس آخر ذلك حادثة الإفك الجديدة (استهداف مكة المكرمة بصاروخ) وغيره لاستنهاض الشباب المضلل للجهاد تحت رايتهم وراية التكفيريين.

ثالثا: النصر حليف القلة الصابرة المؤمنة والفشل دائما مصير الكثرة مهما كان لديها من عدة وعتاد، فقريش لم تغنِ عنها كثرتُها، ولم يخدِمْها نفوذُها بين القبائل بأن تقضي على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومن معه من المؤمنين، بل رجعت خائبة مهزومة، وقد سخر الله من يكسر شوكتها حين اعترضها أحرار القرشيين بنقض الصحيفة. واليوم كذلك فتحالف العدوان لم يحقق شيئا وسقط سقوطا مريعا أخلاقيا وسياسيا واقتصاديا، وصار من سيء إلى أسوأ، وورطتهم كل يوم في اتساع وفي هاوية، وستبتلعهم، فهم مَن ليس لهم تاريخ ولا تجربة ولا مميزات إلا المال الذي سيكون عليهم حسرة ووبالا. (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ).

ختاما :

إن حاجتنا اليوم أن نستلهم من النبي وآل بيته عليهم الصلاة والسلام الثقة بالله والصبر على الحق، والصمود في مواجهة الباطل بعزائم لا تقهر وببصيرة نافذة، وما انتصار الشعب اليمني على العدوان الأمريكي السعودي إلا نتيجة ثقته بالله، واعتماده على الله، وتحركه الشعبي المستمر في الجبهات، والإنفاق في سبيل الله، واستشعارِه للمسؤولية بالتحرك ضد مؤامرات الأعداء مهما كانت التحديات؛ لأن المعركة في الحقيقة هي معركة الوعي والإيمان، ولو قعدنا وقبلنا بالذل فلن يعفيَنا الله، بل سيُلْحِق بنا الذل والخسران في الدنيا والآخرة، والشعب اليمني في مواجهته للحصار قدَّم نموذجا للأحرار في العالم في كسره للحصار، حين كشف التصنيع الحربي اليمني عن منظومته الصاروخية ذات القدرة الفائقة على إصابة الهدف بدقة، فتحرك من منطلق الحاجة إلى الله لا إلى غيره فلم ينتظر دعما من أحد، فقوته ذاتيه نابعة من إيمان بأن الله هو الناصر وهو المعلِّم الأول (عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ).

كما يجب علينا كشعب وأفراد تجاه هذا الحصار أن نتراحم وأن نتعاون على البر والتقوى وأن نطبِّق مبدأ التكافل الاجتماعي والاكتفاء الذاتي للتحرر من هيمنة الآخر ويستشعر كل منا مسؤوليته.

كما يجب على الدولة الاهتمام بموارد الدولة وتحسينها وتطهيرها من الفساد والمتلاعبين، وقبل كل شيء الاهتمام بالزراعة وهو الجانب الذي يتوقف عليه عزة الأمة وحريتها وسيادتها، وهذا ما تحدَّث عنه الشهيد القائد كثيرا في محاضراته وانتقد تلك الحكومات التي جعلت قوت شعوبها تحت أقدام أعدائها خصوصا بلدنا وهي بلاد زراعية، بل إنه اعتبر هذا الجانب من كمال الإيمان حيث قال في ملزمة مكارم الأخلاق الدرس الثاني: (أصبح شرطا، أصبح أساسا الاهتمام بجانب الزراعة في مجال نصر الإسلام، أشد من حاجة المصلي إلى الماء ليتوضأ به ... اذا كانت الصلاة لا بد لها من طهور بالماء أو التراب، فلابد للإسلام ولهذه الأمة التي تهدَّد كل يوم، تهدَّد من قبل قوتها تحت اقدامهم، من فتات موائدهم، لابد لها من الاهتمام بجانب الزراعة، لابد لها أن تحصل على الاكتفاء الذاتي فيما يتعلق بحاجياتها الضرورية) والعاقبة للمتقين ، ولا عدوان الا على الظالمين.

والحمد لله رب العالمين.

--

*ورقة عمل مقدمة في ندوة (أشداء على الكفار رحماء بينهم) في المولد النبوي 1438هـ

 

([1]) معجم مقاييس اللغة، ابو حسين احمد بن فارس بن زكريا- تحقيق عبد السلام هارون- دار الفكر 1979، ج2 ص72.

[2] مختار الصحاح، ص 157.

[3] الطبرسي، إعلام الورى بأعلام الهدى، ص 72.

[4] ابن‌ سعد، الطبقات، ج 1، ص 75.

[5] ابن‌ سعد، الطبقات، ج 1، ص 103.

[6] صفحات مشرقة ، ص172، وأنصار الله القيادة والمشروع ، ص87.