جديدنا

الجهاد الاجتماعي في حركة الإمام الهادي إلى الحق .. حمود عبدالله الأهنومي

الجهاد الاجتماعي في حركة الإمام الهادي إلى الحق[1]

إعداد/ حمود عبدالله الأهنومي

ما هو الجهاد الاجتماعي؟

يمكن تعريف الجهاد الاجتماعي بأنه بذل الجهد في إصلاح المجتمع والرقي بأحواله من الحيثية الاجتماعية؛ إذ المشروع الجهادي الذي ينطلق من مفاهيم القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة هو مشروع عام يقدم باقة متنوعة من التحركات الجهادية، منها التربوي، والتعليمي، العسكري، والإعلامي، والاقتصادي، ومنها أيضا الاجتماعي، وإذا كان شعبنا اليوم بمكوِّنات مجتمعِه المتنوعة هو من يواجه العدوان السعودي الأمريكي كل هذه المدة، فإنه من الجدير الوقوف على بعض التجارب الجهادية بالتركيز على المجتمع وأحواله، وتجربة الإمام الهادي في اليمن تجربة غنية في هذا السبيل، وعلى الرغم من إقامة المعادين حجبا كثيفة عن الإفادة من حركة الإمام الهادي الجهادية في اليمن، فإن التجربة تفرض نفسها لما تحمله من معان وقيم وسلوكات وإجراءات لا زال مجتمعنا اليوم بحاجة إلى كثير منها، ولا سيما في الجانب الاجتماعي، الذي يعتبر بتفاعلاته المهمة العامل المهم الذي يتحرك تحت السطح في صناعة الأحداث التاريخية.

هذه ورقة بحث تناقش بعضا من عناصر الموضوع (الجهاد الاجتماعي) تعتمد منهج التحليل والمقارنة، والاستنتاج، والاعتبار، وتعتمد في أحداثها التاريخية على كتاب سيرة الإمام الهادي للعلوي، وهي سيرة شهد لها أكابر النقاد والمستشرقين بالموثوقية، حتى وهي تتحدث بانحياز عن الإمام الهادي يحيى بن الحسين.

الشعور بالمسؤولية .. الدافع الأعظم

هناك من يدعي أن تحرك الإمام الهادي إلى اليمن كان بنية احتلال اليمن، وربما خفف بعضهم التهمة إلى القول بعبقرية الإمام الهادي في بناء مشروع سلطته الشخصية والعائلية في اليمن ، غير أن 1- وصول الإمام الهادي إلى اليمن ومعه خمسون رجلا بما فيهم من انضموا إليه وهو في طريقه 2- وإرسال رؤساء اليمنيين وشيوخهم وأعيانهم وفودا ورسائل تطلب منه سرعة الحضور إلى اليمن لإحياء كتاب الله وسنة رسوله 3- ومظاهر الاحتفاء والترحيب والقبول به من قبل جماهير اليمنيين الذين كانوا قد أصابهم لظى الحروب القبلية، ذات المشاريع الصغيرة 4- ونجاح الإمام الهادي في وقت قصير رغم المعوقات الكبيرة في بناء مشروعه الذي يهدف إلى إحلال العدالة الإلهية، ولا سيما العدالة الاجتماعية 5- وعزوف ولده الإمام المرتضى عن تسنم منصب الإمامة بعد وفاة والده، رغم أنه كان أكثر رجال أبيه إخلاصا وعملا وتحركا في مشروع والده. كل تلك الحقائق تشير إلى أن الرجل كان ينطلق فعلا من رؤية ومشروع واضح يترْجِم تعاليم القرآن الكريم على أرض الواقع، انطلاقا من دافع الشعور العظيم بالمسؤولية تجاه دين الله، وهو ما عبَّر عنه الهادي إلى الحق في مناسبات كثيرة، ومن خلال مواقف عديدة، لا تتسع الورقة لعرضها، ومنها قوله: "لو أمكنني اشتري صلاح هذه الأمة بما أملك لفعلت، الله يعلم ما أقول، وكيف لي بصلاحها".

ذلك الشعور بالمسؤولية هو الدافع له إلى تلك التطبيقات الدقيقة للشريعة الإسلامية، وهي التي دفعته لأن يعاتب مساعديه؛ لأنهم قصروا في مسؤوليتهم في سقي شجر حوش الدار التي كان يستأجرها، وحين أثمرت تلك الأشجار أرسل بثمرها إلى مالك الدار نفسه؛ الأمر الذي يجعلنا أمام رجل يتصرف في الدنيا ولكن بأساليب أهل الآخرة.

في هذا المقام نتذكر ما قاله العلامة الفقيه، والمؤرخ، محمد أبو زهرة، لما قال: "وقد سار الهادي في حكم البلاد اليمنية على سنة العدل مما جعل الأهلين يرون فيه مظهرا لحكم الإسلام، ومصدرا لعهد الخلفاء الراشدين الأولين.

وإن رسائله وخطبه وعهوده تجعل القارئ يحس بأنه يعود بالإسلام إلى عهده الأول عهد أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، الذين يعتبرون الحاكم منفذ أحكام الله تعالى، بحيث يحس بها الصغير والكبير، والأمير والخفير.

ولهذا الاطمئنان إلى الحاكم العادل سار جند اليمن وراءه طائعين لا كارهين، فأخضع أكثر اليمن لحكمه، وضم نجران إلى ولايته، وأعطى نصارى نجران ما كان قد أعطاهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فجدَّد لهم عهدهم، فأثبت لهم الذمة والعهد ما داموا على الوفاء بالتزاماتهم التي تعهد بها".

تربية المجتمع

يلاحَظ أن الإمام الهادي كان يتحرك في مجالات عديدة ولكنها ضمن مشروع واحد، وبرؤية واحدة، تنطلق من القرآن الكريم والسنة النبوية الجامعة، ولهذا فهو لا يترك شاردة من الأحداث، ولا ورادة من الأقوال إلا ويربطها بالتعاليم الدينية، والتصورات الإسلامية، ويضفي عليها طابع الارتباط بالله تعالى، والشعور به، والثقة فيه، والتوكل عليه، ولهذا حفلت الوثائق الرسمية التي تنتمي إليه بهذا الشعور الفياض تجاه القضايا الإسلامية.

إن إصلاح المجتمعات من خلال تربية مختلف مكوناتها هو أهم مظاهر الجهاد الاجتماعي، فهذه عهوده وخطبه ومواعظه ودعواته بل حتى قراراته الإدارية الجافة لم يقدمها هكذا خِلوا من الحافز المعنوي والارتباط الديني، والضمير الحي، بل زفَّها مع مجموعة من الأفكار الدينية الحافزة للضمير، والمنمِّية للشعور بالله، وبوجوده، وبمفاهيم دينه الأصيلة التي تسهِّل عملية تنفيذها، أي أنه سلام الله عليه كان يوظف أسلوب الحافز المعنوي - الذي تعده الإدارات والقيادات الحديثة من أنجح أنواع الأساليب الإدارية والقيادية – توظيفا فاعلا، لا يحرك من خلاله فقط المعرفة الجافة، بل ويجيش معها الوجدان بصورة فياضة، وينمِّي جانب التقوى والرقابة الإلهية بشكل منقطع النظير.

خلْقُ الحافزِ المعنوي والدافع الوجداني الانفعالي في المجتمع وتوظيفُه ضمن عملية تربوية طويلة الأمد لا تفتأ تذكِّر بالواجب في جوٍّ محفوفٍ بالتعاليمِ والقيمِ والوجدانياتِ – أسلوبٌ قرآني، ركَّز عليه الإمام الهادي بشكل كبير، وعظيم، وفاعل، وهو ما أعطى الاستمرارية لرؤاه وأفكاره واستنباطاته الفقهية إلى يومنا هذا. وهذا أمر لا أحصي له شواهد من سلوكاته وإجراءاته وتعليماته لكثرته الكاثرة، ومع عدد كبير من مكونات المجتمع، وليس هناك مثل الإمام الهادي في كثرة تأصيلاته لأي حركة يتحركها.

ولعل هذا النص في عهده لولاته يصلح مثالا قويا على صحة ما ادعيته سابقا، من ربطه كل تحركاته وحتى إجراءاته الإدارية - بالله تعالى، وبالدين، والدنيا أيضا، يقول سلام الله عليه في عهده لولاته: "وانظر إن جاز بك ابنُ سبيل وشكا إليك حاجة أن تقوي أمره، وتلم شعثه، وتجري في جميع أمورك ما يقربك إلى الله تبارك وتعالى، فإن ذلك أنفع لك في الدين والدنيا، والسلام عليك".

البيعة العامة وبيعة الصبر

إن الأسلوب التربوي لمجموع الأمة ولأفرادها والذي درج عليه الإمام الهادي إلى الحق في حركته الجهادية في اليمن، أسلوبٌ عظيم أكّد عليه السيد الشهيد حسين بدر الدين الحوثي في ملازمه، وأصَّله قرآنيا، وهو الأسلوب الذي لا يفتأ السيد القائد عبدالملك الحوثي يحث عليه، وينفذه، ولعل فكرة حملة دعم البنك المركزي الرائدة والعبقرية كانت تحقق بعدا تربويا مطلوبا ومهما، وهذه الدورات الإعدادية التربوية التأهيلية التي تقام هي نوع من الأساليب التربوية الناجحة، التي يجب الاهتمام بها وتطوير أدواتها.

إنها تذكِّرنا بأساليب عديدة وظَّفها الإمام الهادي في سبيل التأثير في ذلك المجتمع اليمني الذي عاصره، ومنها على سبيل المثال: البيعة العامة، التي هدفت إلى إصلاح الفرد، ودمجه ضمن المشروع الجهادي العظيم من بوابة الإيمان بمفاهيم المسؤولية الفردية ضمن المسؤولية الجماعية، التي تؤهّل الفرد وتعده لأن ينصر هذا المشروع، مهما كانت الصعوبات، وكل ذلك في جو العَقد الاجتماعي الذي كان يعقده الإمام الهادي بينه كحاكم وبين المناصر له كفرد، بأن يطيعه ما أطاع الله، فإذا جاء الرجل يريد بيعته فإنه كان يخضِعه لدورة تأهيلية ترفع من مستواه، من خلال نص البيعة، التي تذكره بمسؤولياته، إذ نصت البيعة العامة على أن الهادي كان "يأخذ بيد الرجل فيسْتَتيبه قبل أن يبايعه، فيقول له : قل: اللهم إني التائب إليك من كل خطيئة ومن كل سيئة، اللهم فأقبل توبتي، واغفر لي ذنبي، ويسر لي أمري، وأعني على نفسي، وأوجب لي الجنة برحمتك، ثم يقول له: قل: والله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم وإلا فعليك عهد الله ميثاقه أشد ما أخذ الله تعالى على النبيين من عهد أو عقد أو ميثاق لتنصرنّني ولتقومنّ بالحق معي، ولتأمرنّ بالمعروف، ولتنهينّ عن المنكر، ولتأخذنّ الحق ممن وجب عليه من قريب أو بعيد أو شريف أو دني، لا تأخذك في الله لومة لائم، ولتطيعنني ما أطعت الله، فإذا عصيته فلا طاعة لي عليك، قال الراوي: ثم كنت أسمعه بعد ما يأخذ العهد يقول : اللهم اشهد ثم يقرأ بعد ذلك ((إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه من أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجراً عظيماً))".

أما بيعة الصبر فقد كانت من حظ نخبة من الرجال المؤمنين "يصبرون على الجوع والجهد والعري والضرار" إلى الحد الذي يستعدون فيه أن يقتسم أربعة منهم ثوبا واحدا، فقط يستر عورة كل منهم عند الصلاة، هذه النخبة المجتمعية كان يربيها الإمام الهادي تربية خاصة، ويعدها للنوائب، ويدخرها للمهمات والشدائد، يقول صاحب السيرة: "وكنت عنده جالساً فأتاه رجلان، فقالا له: يا ابن رسول الله نريد نبايعك بيعة الصبر، فقال لهما: أقد بايعتماني مع الناس؟ فقالا: نعم، ولكنا نريد نبايعك بيعة الصبر، فقال لهما: اجلسا على بركة الله، ثم ابتدأ فوعظ موعظة بليغة، وقال لهما: إني ناظرت نفسي فأحببت أن أختص إخواناً مؤمنين يصبرون معي على ما أقول لهم، وإن الأمر عظيم صعب، والناس قد بايعوني وأنتما بايعتماني، ولكن هذا شيء أريد أن أختص به إخواناً يصبرون معي على الجوع والجهد والعري والضرر، حتى يقتسم كل أربعة ثوباً، فيأخذ كل واحد منهم خرقة يتوارى بها للصلاة، فإن كنتما تصبران على هذا فتقدما، فقالا: نصبر معك على هذا، فتقدما فأخذ عليهما العهد الذي وصفنا في كتابنا هذا، وزاد فيه: لتصبرانِّ معي على البأس والضراء، والشدة والرخاء، والجوع والعري حتى يحكم الله بيننا وبين عدونا، بالحق وهو خير الحاكمين".

هذه الخطوات التربوية الإصلاحية داخل المجتمع كانت تهدف في الأساس الأولى إلى تمتين الجبهة الداخلية التي تحتضن هذا المشروع، وتقويتها، وتعزيز حالة الصمود داخلها، وهي إجراءات قوية وفاعلة، وتثبت الأيام أن المجتمع بحاجة إلى هكذا تحركات متنوعة، وهكذا قوات خاصة، ونخب مجتمعية قوية، كنوع من خلق نواة ضرورية لنصرة المشروع.

العقد الاجتماعي

تميزت حركة الإمام الهادي الجهادية بوضوح معالم مشروعها ورؤيتها التي هدفت في الاساس إلى بناء الدولة العادلة التي تكرِّم الإنسان، وتجله، وتوفر له أسباب العيش الكريم، والرفاه الاجتماعي، على أساسِ دستورٍ محفوظ، هو القرآن الكريم، والسنة النبوية الصحيحة، بل إن الإمام الهادي في هذا الصدد وجّه في دعوته العامة للأمة اليمنية في أول وصوله إلى اليمن دعوة ضمنها ما يمكن تسميته بالحقوق والواجبات، فأوضح أن من حقوقهم (1- الحكم بموجب الكتاب والسنة 2- وإيثار المحكومين على الحاكم في العطاء 3- وتقديمهم أيضا في استلام العطاء 4- مع تقدم الحاكم على المحكومين عند لقاء الأعداء)، كما بيّن واجبات المحكومين في (1- النصيحة للحاكم في السر والعلانية 2- الطاعة له ما أطاع الله)، ثم تضع الدعوة التي تعتبر عَقدا اجتماعيا متطورا سابقا على عصره، شرط طاعة الحاكم لله ليطيعه المحكومون، تأمر الشعب بطاعة الحاكم ما أطاع الله فقط، أما إذا ظلم أو طغى فإن هذا العقد يعطيهم فسحة من أي طاعة، أي أن مسؤولية طاعة الشعب للحاكم تسقط بمجرد أن يتصف هذا الحاكم بالظلم والجور، تقول الدعوة: "وأشترط لنفسي عليكم اثنتين: النصيحة لله سبحانه وإليّ في السر والعلانية، والطاعة لأمري على كل حالاتكم ما أطعت الله، فإن خالفت طاعة الله فلا طاعة لي عليكم، وإن ملت أو عدلت عن كتاب الله وسنة رسوله فلا حجة لي عليكم، (قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين)".

إنه بهذا العقد المتوازن استطاع أن يحمِّل المجتمع مسؤولية جهادية دينية واجتماعية مهمة ورائعة، بل إن ديباجة الدعوة (العقد) تحمل بصمة عبقرية تبرهن أن الحاكم يجب أن يكون القدوة والأسوة الحسنة للمحكومين، حين نصت على: "وإلى أن نأمر نحن وأنتم بالمعروف ونفعله، وننهى نحن وأنتم عن المنكر جاهدين ونتركه"، هذا النص وإن كان الحكام الظالمون سيرفضونه ولن يقبلوا به، لكن أئمة الهدى وسلاطين الحق لا يريدون أن يخالف قولهم فعلهم، بل يهدفون إلى أن يقدموا أنفسهم كقادة يجب التأسي بهم، ويضعون أنفسهم تحت الرقابة الشعبية المجتمعية، وهو أيضا أسلوب تربوي قرآني، جدير بنا اليوم أن نكون على منواله.

علاقة الحاكم بجميع مكونات المجتمع

إن اعتماد سياسة الشفافية مع المجتمع وجعلهم شركاء في مسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي موضع الرقابة الإيجابية على حركة المجتمع، يحرِق المسافات الواسعة التي دائما يبسطها حكام الجور والظلم، ويفسحونها بينهم وبين الشعوب، ولهذا لا يمكنهم قبول مثل هذا المنطق، لا نظرية ولا تطبيقا.

هذه العلاقة الواضحة والمنصفة بين الإمام الهادي ومواطني دولته العادلة هي التي جعلتنا نفهم سلوكات الإمام الهادي التي لا يطيقها ولاة الظلم والجور، وجعلتنا نفهم ما معنى أنه "كان إذا خرج من منزله لصلاة أو لغيرها سلَّم على جميع من يمر به من شريفٍ أو دنيٍّ، أوفقيرٍ أوغنيٍّ، أو عبدٍ أو صبي، وبذلك جاء الأثر عن جده علي بن أبي طالب عليه السلام أنه كان يُسلِّم على كلِّ من مرّ به حتى العبد المخلخل"، يقول الراوي: "ورأيته يعود المريض حتى رأيته قد عاد بعض خدم أصحابه".

إنها العلاقة الربانية التي جعلت المحكومين يأمنون شِرة الحكام، وطمعهم، وتعديهم، وأثرتهم، قال الهادي عليه السلام مرة لحاشيته بعد أن برّح بهم أثر الأساليب التربوية التي سلكهم فيها، وأنهتهم تعاليمه إلى الوضع المثالي الرائع، قال لهم : "والله ما أعلم اليوم راية مثل راية بدر إلا رايتنا هذه، ولا عصابة اجتمعت أفضل من هذه العصابة بعد من كان قبلنا، ثم قال لي: وكيف لا يكون ذلك كذلك وأنتم ترقدون لا تهمون بظلم أحد، وتقومون فإنما همكم إظهار دين الله، وإحياء كتابه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والله لو لم يكن إلا ما أنتم فيه من عزّ المؤمنين، وإخافة الظالمين لكان في ذلك الفضل العظيم".

كارزمية القيادة نحو الجماهير

وصل الإمام الهادي مع خمسين رجلا فقط إلى اليمن، ومع ذلك استطاع مجابهة مشاريع الفوضى التي كانت تعصف باليمن، وأوقف تجاذبات الطامعين في السلطة على أساس قبلي، وبسط سلطانه على معظم أرجاء اليمن؛ ذلك لأنه اتصف بقدرة تأثيرية بالغة، أوجد بها أنصاره، وحافظ عليهم، هذه القدرة القيادية الرائعة في مخاطبة الجماهير وإقناعهم ساهمت في إنجاح المشروع المطلوب.

لما وصل الإمام الهادي إلى صعدة وكانت أهم قبيلتين فيها (سعد والربيعة) قد طال على حروبهما الأمد، فسالت بينهما أنهار الدماء، وقد سبق لدولة اليعفريين أن جيَّشت الجيوش لإيقاف نزيف هذه الدماء بين هاتين القبيلتين، غير أن سعير الحرب المتصاعد كان أقوى من تأثير اليعفريين ومن جيوشهم الجرارة، فعجز ذلك القائد، ورأى بأم عينيه سقوط 20 قتيلا في لحظات قليلة أراد فيها الصلح بينهما.

غير أن الهادي بكارزميته وحيث أنه أصبح كلمة إجماع بينهم، لأن الأطراف جميعا تثق في علمه وعدالته وفهمه للقضاء، بمجرد أن وصل صعدة جاء إليه المتنازعون يسلِّمون عليه، فأمرهم أن يسلم بعضهم على بعض، وابتدأ يخطب فيهم موعظة مؤثرة فبكى المتقاتلون، فاستحلف هذين الحيين على المصحف بترك الفتنة والعداوة، كما حلفهم على طاعته والقيام بأمر الله وبايعوه على ذلك، واختلط الفريقان المتحاربان كأن لم يكن بينهم تلك الحرب الشرسة، وكان يقف الرجل بجانب قاتل أبيه، ويتحدثان كأن لم يكن بينهم شيء، وهذا يشير إلى أهمية أن تكسب القيادة ثقة المجتمع بعدالتها، وحسن اختيارها.

ترتيب البيت الداخلي

من أهم مجالات الجهاد الاجتماعي إطفاء الحرائق الاجتماعية المشتعلة بين مكونات المجتمع، لأنه لا يمكن لمجتمع أن ينطلق في مشروعه إلى النضج والكمال، بينما لا تزال هنا من العوائق ما تشكل كوابح داخلية تورثه الضعف والهزال، ولا تفتأ تفرز له العراقيل والعوامل المضادة.

حادثة إطفاء الحرب بين قبليتي سعد والربيعية الصعديتين والنتائج التي ترتبت على ذلك جديرة بالاحتذاء والاقتداء، إذا أردنا مجتمعا قويا متماسكا، لا سيما ومجتمعنا اليوم يخوض معركة الكينونة التي تحدد حاضره ومستقبله، تقول الرواية مبينة النتائج التي ترتبت عليها حالة المجتمع بعد انطفاء جذوة الشقاق في أهله: " فأصلح الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين (عليه السلام) بينهم بأسهل الأمور وأرفقها وأيسرها وأهونها، فاختلط الناس بعد الفرقة، واجتمعوا بعد المنافرة، وتحابوا فيما بينهم، وأشفق بعضهم على بعض، وأنزل الله عليهم السماء مدراراً، فأخصبت بلدهم، وصلحت ثمارهم، و(شبعت) دوابهم، ورخصت أسعارهم، وأمنوا في طرقهم، وأصلح الله ذات بينهم".

إن العدو اليوم يراهن على تمزيق المجتمع، واستهلاك إمكاناته في حروب جانبية تشتت المجتمع عن الاتجاه صوب الهدف السامي، ولا يستبعد أن العدوان السعودي اليوم كما كان سابقا لا زال يمول الحروب البينية لكي يوقع الإعاقات المجتمعية للمجتمع فلا يتحرك لواجب، ولا ينتهض لمجد.

ومن الأهمية بمكان أن على من يتصدى للإصلاح المجتمعي، وترتيب البيت الداخلي، وإطفاء الفتن والمشاكل أن يقوم بإزالة مظاهر العدوان السابق بالحكم الحق، وأن لا يبقي على أي بؤرة من بؤر التوتر التي ستساهم مستقبلا في استعادة الشيطان لنشاطه مرة أخرى.

لما أصلح الإمام الهادي بين الياميين وهم فرع من همدان الكبرى، وبني الحارث وهم فرع من مذحِج، في نجران، أمر بإعادة المظالم التي وقعت أثناء الاعتداءات بينهم، ولما وصل كتاب الهادي في الصلح بينهم، وقرئ عليهم "زادهم ذلك رغبة في الحق، وتعاطوا الحقوق، ورد بعضهم على بعض ما كان في يده من مال مغصوب بغير مطالبة، وذلك أنهم كانوا في الفتنة التي كانت بينهم قد غصب بعضهم بعضاً من النخيل والأرض والعبيد والخيل، فلما قدم يحيى بن الحسين ترادّوا المظالم بينهم هيبة ألقاها الله تعالى في قلوبهم". ويضيف صاحب السيرة: "خبرني بعض أهل نجران قال: كنتُ قد اغتُصِبْتُ نخلاً منذ عشر سنين، ما أكلتُ منه تمرة، حتى قدم يحيى بن الحسين فرُد عليَّ ببركته، وسمعت جماعة يذكرون أحاديث شبهاً بهذا غير أن ذكرها يطول".

الاقتصاد المقاوم

تكمن أهمية فكرة الاقتصاد المقاوم في أنها تعطي المجتمع نوعا من المنعة الذاتية حين يستخدم العدوان ضده حربه الاقتصادية، وقد نجحت الاقتصادات المقاومة في كثير من التجارب الإنسانية؛ ذلك أنها تفوِّت الفرصة على العدو في أهم سلاح حقير قد يستخدمه ضد مجتمعنا وبلدنا، كما هو حاصل اليوم ضدنا في هذا العدوان.

إن إطلالة على مصادر دخل دولة الإمام الهادي، وعلى ما ورد في عهده لولاته الذين أرسلهم إلى المخاليف أساسا لجمع الزكاة، تبين أن دولته كانت تعتمد أساسا على مورد الزكاة والثروة الحيوانية، في بلد زراعي مثل اليمن، حيث لم تكن هناك موارد أخرى ذات أهمية.

الاعتماد على الزكاة كمورد أساسي لصندوق الدولة، وتسيير شؤون دولة فتية على هذا المورد فقط يعتبر اليوم معجزة وخيالا بديعا، لكن الواقع التاريخي يحدثنا أنه يمكن ذلك، لكن بشرط تحسين هذا المورد، أخذا وصرفا، وطريقة الإمام الهادي التي بينها عهدُه لولاته، بما حفَّها من إرشادات تربوية، وتعليمات صارمة ودقيقة تؤكد علينا اليوم أن نعمل على تحسين الموارد المجتمعية، وتنظيفها، وتوسيع دائرتها، وهي بالتأكيد كثيرة ستمكننا بعون الله من اجتياز هذه المحنة التي يريد العدو أن يظفر بنا من خلالها، ولن يكون ذلك أبدا، والحمدلله.

الفقراء والأيتام

من أعمدة فكرة الاقتصاد المقاوم تحسين الموارد من حيث الصرف، وليس هناك أفضل من أن تتلمس السلطات القائمة الفئات الأشد فقرا في المجتمع، وعلى رأسهم الفقراء، والمساكين، والأيتام، ولا سيما أيتام الشهداء، لكي تبدأ بهم، وتجعلهم في أول سلم الأولويات.

يشير عهد الإمام الهادي أنه أفسح المجال للحكم المحلي في التصرُّف بربع ما تحصِّله الدولة من مواردَ مالية في فقراء البلد، وأبدت دولته العادلة استعدادها لأن تخوِّل الحاكم المحلي صرف حتى الـ100% من الموارد في فقراء البلد الذي تجبى منه، إذا تيسرت لها موارد أخرى، كما أمر أن تكون الأولوية للفقراء المعدِمين، الذين لا حيلة لهم، على الفقراء الذين لهم نوع من الدخل، يقول عهد الإمام الهادي لولاته: "ثم انظر أن تكتب أسماء فقراء البلد الذي أنت به ومساكينه، ولا تكتب من أهله إلا كل من لا حيلة له إلى التحرُّف والاستغناء عن ذلك، فإنك إن كتبت جميع من يحتاج ومن له حيلة أضررت بمن لا حيلة له، فآثِرْ أهل المتربة، وأهل المتربة من لا حيلة له". وهذا كله يبين ويبرهن أن علينا أن نتعامل مع فئات المجتمع من خلال سلم الأولويات لفئات المجتمع، وأن الفقراء المدقعين هم أولى الناس بتلك الموارد، ثم من يليهم، ثم من يليهم، بحسب تقديرات خبراء المجتمع واستبياناتهم العلمية الدقيقة.

وتشير تعليماته في ذلك العهد بشأن إحصاء فئات المجتمع، وأموال التجار، وأهل الذمة، وما يملكونه من أموال إلى أهمية هذا الجانب، وأن على الدولة الاضطلاع بوضع قاعدة بيانات متنوعة وشاملة لكي تتمكن من اتخاذ القرار المناسب وعلى ضوء حيثيات ثابتة.

تذكر سيرته أنه كان يأمر رجلا ينادي: "أين الفقراء، أين المساكين أين أبناء السبيل، أين من له حاجة، هل من سائل فيعطى أو من طالب حاجة فتقضى؟"، قالت: "فقام رجل غريب فقال: يا ابن رسول الله أنا عُريان، فوقف معه طويلاً في المسجد حتى تكلم بجميع ما أراد، ثم أمر له بكسوة ونفقة سابغة ثم انصرف"، وتورِد حوادث أخرى تشير إلى اتجاه دولة الهادي العادلة، فتقول: "وأُتِيَ يحيى بن الحسين يوماً بصبي صغير يتيم فلم يزل يدنيه حتى أجلسه بين يديه، ومسح رأسه وتكلم فيه بكلام وبكى، ثم أمر للصبي بقميص وسراويل. ورأيته وقد انصرف من المسجد فقام إليه صبيان صغيران فقالا: يا ابن رسول الله نحن يتامى، فوقف معهما طويلاً يمسح رؤوسهما ويدعو لهما، ثم أمر لهما بكسوة ونفقة". وهي سلوكات دولة عادلة تحترم الإنسان، وتقدس إكرامه، وترى ذلك واجبا دينيا عليها.

أهل الذمة

قدم الإمام الهادي نموذجا رائعا للتعامل مع مواطني الدولة الإسلامية العادلة الذين ينتمون إلى دين آخر غير دينها، حيث أعطت دولته اليهود والنصارى من الحقوق ما جعل كثيرا منهم يدخلون في الإسلام إعجابا بتطبيقاته الرائعة، وحين انتقل إلى الرفيق الأعلى حزنوا عليه حزنا شديدا، وآلمهم فراقه، قال صاحب سيرته وقاضي حضرته: "رأيته يوماً وقد جاءه يهودي استعدى على رجل، فقال لي يحيى بن الحسين: أنصفْه وانظر فيما بينهم، ثم قال لليهود والنصارى: إذا آذاكم أحد فارجعوا إليَّ حتى أنصفكم منه".

هذا التعامل هو ما ينحو باللائمة على التراث الفكري الذي وظفه الاستكبار اليوم لينتج حركات تكفيرية تدعي الجهاد والإسلام فسفكت دماء الجميع، وهجّرتهم، تريد تشويه الإسلام تنفيذا للدور الذي كُلِّفت به من داعميها ومموليها عن بعد، لكي يبعدوا الأحرار عن هذا الدين، ويقتنعوا بوحشية مبادئه كما عليه أهله وأتباعه بحسب دعواهم.

السجناء

قبل أيام ثارت قضية في إصلاحية السجن المركزي بصنعاء، وربما كان ذلك بسبب حقوقهم، وفي هذا يبين لنا الجهاد الاجتماعي لحركة الإمام الهادي أن للسجناء حقوقا يجب الاهتمام به، ومنها الأكل والشراب والنظافة، والفراش الطيب، تقول الرواية: بأن الهادي دخل السجن "فجلس فنظر إليه، وأمر بقمِّه (إزالة القمامة منه) وكنْسِه وتنظيفه، وتعاهُدِ أهلِه بالماء والطعام، وأمر لهم بوطاء (فراش يطأون عليه)".

المرأة

تبين سيرة الهادي أن المرأة كثيرا ما صرخت أمامه شاكية ظلما وقع عليها، فبادر الإمام وقضاته إلى سرعة النظر في شكواها، وإنصافها، وهذا يشير إلى تمتع المرأة بحقوقها القضائية أمام محاكم الدولة مثلها مثل الرجل، من دون فرق.

بل إن إحداهن شكت أحد أبرز قواد الإمام الهادي وعضده الأيمن، لقد شكت أبا العتاهية حاكم صنعاء، حين سُمِعَتْ تلك المرأة في إحدى جولات الإمام في منطقة آنس وهي "تصيح على باب الهادي، فأمر بإدخالها إليه، فلما دخلت إليه، قالت: يا أمير المؤمنين أنصفني من أبي العتاهية، فأرسل الهادي إلى أبي العتاهية فأحضره، وقال له: انصف هذه المرأة، ثم قال الهادي للمرأة: ما تدعين عليه؟ فقالت: لي في يده ضيعة غصبها أبوه، فقال أبو العتاهية للهادي: أوجب عليَّ وعليها ما يجب يا أمير المؤمنين. فقال الهادي للمرأة: هل لكِ شهود؟ قالت: نعم، فمضت فأحضرت شهوداً فشهدوا عند الهادي لها بالضيعة، فحكم الهادي للمرأة بالضيعة وأمرها بقبضها فقبضتها.

وهكذا يبين لنا الحاكم وهو الهادي، وقائده وهو أبو العتاهية أن امرأة ضعيفة يمكنها أن تنتزع حقها حتى ولو تقادم عهده تحت يد أي مسؤول في الدولة، مهما علا منصبه، وعظم سلطانه، لأنه لا سلطان في دولة العدل أعلى من سلطان الحجة، ولا قوة أقوى من البرهان.

التوصيات

  1. الاهتمام بدراسة تجربة الإمام الهادي من زوايا متعددة.

  2. الاستمرار في ربط التحركات الجهادية بمشروع إحيائي مع ربطه بالعاطفة الدينية والوجدان الفاعل، وإثارة رقابة الضمير وأن كل عمل يقوم به المجاهد هو عمل جهادي يؤجر المرأ على فعله ويؤاخذ بالتقصير فيه.

  3. الاهتمام بشؤون المجتمع الداخلية، وإطفاء الحرائق التي تفتك به، كضرورة ماسة يجب أن تسبق أي انطلاقة إلى مرحلة النضج والكمال.

  4. الاهتمام بالمنهج التربوي الفاعل لمختلف فئات المجتمع، وفي مختلف المحطات الحياتية.

  5. إن وضوح المشروع والرؤية والطريقة لهي من أهم عوامل نجاح المشروعات وديمومتها واستمرارها وأسباب قبولها وانتشارها.

  6. التفكير جديا، بتحسين موارد الدولة وحسن تصريفها، والتفكير من الخبراء بتفعيل ما يمكن تسميته بالاقتصاد المقاوم لتجاوز حالة العدوان الاقتصادي على شعبنا اليوم.

  7. أهمية النظر بعين الأولوية والاعتبار لفئات المجتمع الفقيرة، والأشد فقرا، وبحسب الأولوية.

وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله الطاهرين.

7 صفر 1438هـ

 

[1] ورقة بحث مقدمة إلى ندوة (الإمام الهادي إلى الحق .. قيادة الجهاد الفاعلة وريادة الدولة العادلة)، أقامها المجلس الزيدي الإسلامي في ذكرى وصول الإمام الهادي إلى اليمن 6 صفر 1438هـ.