مصابيح الأمل وزيوت العمل............بقلم/حمود عبدالله الأهنومي

مصابيح الأمل وزيوت العمل............بقلم/حمود عبدالله الأهنومي

مصابيح الأمل وزيوت العمل

 

بقلم/حمود عبدالله الأهنومي

 

 

تتكرَّرُ أحاديثُ السيد القائد عبدالملك الحوثي وتوجيهاته بأهمية تحويل التحديات الهائلة التي تواجه بلدَنا اليوم إلى فرص، وأن علينا أن نواجهَ التحديَ منها بتحدٍّ أقوى، والتصعيد بتصعيد أكبر، والمواجهة بمواجهة أعنف، وهذه التوجيهاتُ بقدر ما تكشف فلسفة القائد الحضارية والتي تشبِه إلى حدٍّ ما فلسفة الفيلسوف المؤرخ الشهير (توينبي) القائمة على نظرية (التحدّي والاستجابة)، فإنها تبرهن على أهمية العمل الفاعل في الميدان في المجالات المختلفة، أما العمل في نشوء الحضارات وتحقق الإنجازات فهو قصة عظمى تحتاج إلى وقفات ليست قليلة.

أن تكون الأُمَّـةُ ذات آمال عريضة في مستقبل زاهر، ونهضة شاملة وقوية، يتحقق فيها خير الإنْسَان ورخاؤه واستقراره، في ظل توازنٍ روحي ومادي، فهذا هو ما يطلبُه الإسْلَامُ من أبنائه، فكثيرٌ من الإنجازات العملاقة في تأريخ البشرية كانت مجرد أحلام وخيالات في البداية، ولكنها بفعل الإرادة الصلبة، والروح الإيجابية، والقيادة الحكيمة، والكوادر المبدعة، والتضحية الخلاقة، والدعم الشعبي المجتمعي، صارت حقائقَ ناصعة وكبيرة تناطح السحاب.

إن ارتياد إنْسَان القرن العشرين للفضاء والسفر إلى القمر كان خيالاً يداعب عقله منذ القرن الثاني للميلاد؛ حيث كتب (لوسيان) السوري كتابا باللغة اليونانية بعنوان (قصة حقيقية)، ثم تلاه بعد قرون من الزمن الفرنسي (سيرانودي برجراك) حيث كتب متخيِّلا رجالا يطيرون في الفضاء في سفن وصواريخ، ثم إذا بهذا الإنْسَان يطأ بأقدامه فعلاً ذلك الكوكب، ويحلِّق في الفضاء بطريقة مذهلة.

الاستجابة الفاعلة التي تصنع الحضارة والانتصار هي التي تكون أقوى من التحديات القائمة، وهي الأفكار الإبداعية التي تتحول إلى مشاريع عملية قائمة، وهي الآمال التي تتفادى أحلام الحمقى السذَّج، الذين يعيشون الوهم في كُلّ وقت، ويشترونه مِن كلِّ من هبَّ ودبَّ، وفي نفس الوقت هي الآمال التي تنجو من كلاكل السوداويين المتشكِّكين المتشائمين، الذين لا يرون إلا الهزيمة، ولا يتوقعون إلا الخراب، وكلما رأوا منجزا ماثلا أمامهم ذهب بهم التشكك والتشكيك كلَّ مذهب، ووزَّعهم في كُلّ اتجاه، ولا يفضي بهم إلى حقيقة.

النجاح هو خط رفيع بين مسار هاتين الرذيلتين، رذيلة السذاجة الحمقاء، ورذيلة التشاؤم المحبِط.

النجاح والانتصار هو الذي يسميه القُـرْآن العمل، الذي ما ورد في القُـرْآن إلا كان له مقابلٌ، وهو (الأجر)، وورد في أكثر من 70 موردا مقرونا بالإيمان، حيث يكون العمل جزءا أصيلا منه، ومعبِّرا تعبيراً حقيقياً عنه، وما أصدق القُـرْآن إذ يقول: (وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ، وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ، ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَىٰ)، وما أكرمه إذ يبين أن عمل الإنْسَان هو الذي سيحدِّد درجاته ومنزلته في الدنيا والآخرة، فيقول تعالى: (وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ)، ويقول تعالى: (وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ).

وإذا كانت “نوافذ الأمل مفتوحة أمامنا، ونحن من يلوِّثها بغبار يأسنا”، على حد عبارة الحكمة الدارجة، فإنه لا مندوحة لنا إلا أن نوقِد مصابيح الأمل، الذي يستوقِد من زيت العمل، فكل أمل بدون عمل يصبح سراباً لا قيمة له في دنيا الإنجازات، وكل عمل لا يحدوه أمل فإنه محفوف بالمخاطر الأكبر، والإعاقات الأعظم.

وفي مواجهة تحدّي العدوان الماثل لأكثر من ألف يوم لم تشفع لنا مظلوميتنا، ولم يعوِّل أيٌّ منا على أحلام وردية، أَوْ تمنيات فارغة، بل حتى لم تثبِّت أقدام مجاهدينا في الجبهات عقائدُهم الصحيحة فقط، بل خطط مرسومة، وكفاءات ذات فاعلية، وجهود استثنائية، ومراجعات دؤوبة، وعملٌ صالح، باركه الله، وزاده، ويسر فيه الحسنى، ونفخ فيه من آياته الكبرى.

في هذا السياق وبعد أن رأينا توجها حكوميا جادا في ترتيب الأوضاع الداخلية، وتصحيح المسار، وتعزيز الجبهات، فإن انتصارنا على هذا العدوان، وعلى تحديات الحصار، والتخلُّف، والفساد، والجهل، والجشع، والطمع، والأثرة، والشللية، والاكتفاء الذاتي، يستلزِم من المجتمع كله أن يتسلَّح بالأمل الإيجابي، الأمل الذي يتصل بالعمل، وأن يتسلح بالدعم المعنوي والمادي، وبالعمل المرتب والمنظم، والخطط المدروسة، والكوادر المبدعة والفاعلة، ضمن رؤية النهضة الشاملة، وعلى درب مسيرة العزة، تحت قيادة ذلك القائد ميمون النقيبة المؤمن الحكيم.

أخيراً من الجيِّد أن نتذكر سيدنا يوسف عليه السلام لما قدّم نفسه لشغل وظيفة أمين الدولة، قائلاً: (اجعلني على خزائن الأرض)، أنه قدَّمها باعتبارِ مؤهِّلاته، بأنه: (حفيظ عليم)، ولم يقدِّمها باعتباره نبيا مقدسا، أَوْ عابداً صالحاً، أَوْ مؤمناً مستجاب الدعاء؛ لأن كَثيراً من المؤمنين الصالحين قد يلِجون إلى الفساد من بوابة الصلاح؛ وذلك حينما يكون معيار اختيار السؤول هو العلاقات الشخصية أَوْ العائلية أَوْ المناطقية أَوْ الفئوية أَوْ معيار الصلاح الظاهري بمعزل عن المعايير الموضوعية الأُخْـرَى.

 

دخول المستخدم
القائمة البريدية
استطلاع رأي
ما رأيك في موقع المجلس الزيدي
مجموع الأصوات : 0
صفحتنا على الفيسبوك
جميع الحقوق محفوظة 2018