جديدنا

أين نجد الإمام زيد بن علي عليه السلام في واقعنا؟ .. لجنة الثقافة بالمجلس الزيدي الإسلامي

أين نجد الإمام زيد بن علي (ع) في واقعنا

ذكرى استشهاد الإمام زيد - 1439هـ

حليف القرآن

أطْلِق على الإمام الأعظم زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام، لقب (حليف القرآن)، وهو لقب لم يطلق على أحد قبله ولا بعده، و يدل على العلاقة الحميمية بين الإمام والقرآن الكريم، ويشير إلى أهمية ارتباط الثائرين العظماء بالقرآن، فيظهر في قدرتهم الفاعلة في إحداث التغييرات الجوهرية في مسار التاريخ.

قال الإمام زيد: "خلوت بكتاب الله عز وجل أقرؤه وأتدبَّرُه ثلاث عشرة سنة"، تدبرٌ جعله يستغني به عن كثير من المرويات، وارتباط قوي أثمر ثورة دائمة في وجه الطغيان والعدوان.

إذا أردنا أن نكون في قوة الإمام زيد، وفاعلية تحرُّكِه مع الله، فيجب أن نرتبط بالقرآن الكريم كما ارتبط به، وأن لا نقل شأنا عن أولئك المجاهدين الأفذاذ في الجبهات الذين تزول الجبال الرواسي ولا يزولون من مواقعهم؛ ذلك لأنهم عاشوا القرآن في وقائعه وتعاليمه وهديه معرفة وشعورا وسلوكا كما أراد الله، فنالوا منه التأييد الإلهي في معركة غير متكافئة ماديا.

القرآن وعلماء البلاط

نسمع اليوم أصواتا تغنغن بالقرآن، ولحىً طويلة تزعق بالسنة، تدعي الدين، وتتحدث باسم الرحمن الرحيم، لكنها أقسى ما تكون على خلقه، فهي تحرِّض على أبشع الجرائم بحق شعب أصيل مثل اليمن، شهدت له نصوص الشريعة بالخيرية، والإيمان، والحكمة، يحرضون على قتل أطفاله ونسائه وتدمير منشآته وبناه التحتية، ويذرفون الدموع لو فكّر الشيطان أن يوقف فظاعاته الإجرامية. فيا لها من لحىً زائفة، ونفوس لاهفة!.

هؤلاء يجب مواجهتهم دعويا وإرشاديا وإعلاميا، بحجة البيان، ونصاعة البرهان، كما واجه الإمام زيد أشباههم ممن كانوا مدجَّنين بثقافة الخنوع للظالمين، التي تقتل المسلمين، وتبارك أفعال المجرمين، حذّر الإمام زيد من قبول أحاديثهم وفتاواهم التي تخالف القرآن، واعتبر أن تلاوة القرآن حق التلاوة ليست بكثرة الهذِّ والدراسة وإنما بالاتباع للقرآن حق الاتباع (مجموع رسائل الإمام زيد)، كما أكد على وجوب الانسجام بين قارئ القرآن وسلوكه، واستنكر انطلاقا من روح القرآن أن "يغلب قوينا ضعيفنا، وكثيرنا قليلنا"، واستئثار القلة بأموال المسلمين، وكان يعتقد أن من موجبات تلاوة التالي له حق التلاوة أن يكون ذا موقف فصل من المحرّفين لأحكامه، وأن يكون موقفه نقيض موقف المخالف له (مجموع رسائل الإمام زيد).

لا يفرقون بين الجمل والناقة

استشهاد الإمام زيد فرصة لتذكير المحايدين في هذا العدوان (مرجئة عصرنا) الذين لا يحقون حقا، ولا يبطلون باطلا، وكذلك تذكير لـ(المعتزلة) الذين يرون وجوب مقاومة الطغيان نظريا، ولكنهم لا يترجمون ذلك عمليا، إنها فرصة لتذكيرهم بوجوب مغادرتهم لدائرة الحياد السلبي، وأنه لا يعفيهم من جهاد هؤلاء المعتدين لا أخطاءُ المتحرِّكين الفكرية ولا العملية، ما دامت في إطار محاولات الفهم والحوار وتحت الخطوط الحمراء. وشرًّا ما ارتكبه الشيطان يومَ ضخّم تلك الأخطاء ليجعل منها جدارا صادًّا للبعض عن القيام بواجبه في رد صائلة المعتدين، الذين سوف لن يفرِّقوا بين جمل الـ(مرجئة)، ولا ناقة الـ(معتزلة).

الأمة اليوم تماما كما وجدها الإمام زيد وقد غاب القرآن عن كثير من أفكارها وقيمها، وسرت فيها ثقافات اللاموقف، والصبر على المظالم، والوقوف في صف الطغاة، نتيجة مرويات زائفة كرَّست فيهم هذه الثقافات على أنها من دين الله، ولهذا فقد حرص الإمام زيد على الرد على المجبرة القدرية وعلى المرجئة، ورأى فقهًا - وكان أفقه الناس - أنه يحرم الصلاة خلفهم ودفع الزكاء إليهم. (مسند الإمام زيد). واعتبر الفكر الإرجائي مستخِّفا بحق القرآن ومغترّا بأماني الشيطان. (مجموع رسائل الإمام زيد).

التوعية والإرشاد

نجد اليوم أنفسنا متقاعسين عن تنوير الأمة، وتذكيرها بخطورة مشاريع العدوان، ونغص في سبات عميق من اللامسؤولية، بينما المعتدون من أكثر من 20 دولة يتقاطرون من كل فج عميق، ويتذرع البعض بأخطاء لا ننكرها، ويرى أن ذلك له عذر في النكوص، وهو لعمري خطأ كبير؛ سيساهم في خذلان يمن الإيمان، ونصرة العدوان، كما ساهم بعضٌ من حمَلة العلم في خذلان الإمام زيد.

ألم يكن لنا في إمامنا زيد أسوة حسنة، ونحن نراه يتحرك بفاعلية، ينشر ثقافة القرآن، ويفسره، مستعملا معارفه العظيمة، ومهاراته في الخطابة، والتبيين، فخافت منه السلطة، حتى أن هشام أمر واليه أن يمنع أهل الكوفة من السماع له، قائلا: "إن له لساناً أقطع من ظبة السيف، وأحصد من شبا الأسنة، وأبلغ من السحر والكهانة".

أين تحركنا الجاد كعلماء، وكثقافيين، وكمعنيين بمواجهة هذا العدوان؟ ماذا سنقول لو تركَنا اللهُ وشأنَنا، بسبب تقصيرنا، فإذا بنا تحت غلظة وشدة أوباش الدواعش والقواعد، هل نقول: ليت .. وهل ينفع شيئا ليتُ .. ليت (جهادا) بيع فاشتريتُ؟

لا خيار سوى التحرك الجاد بالتوعية والتنوير للمجتمع، حتى يمدنا الله بنصره وألطافه التي أيَّدت المجاهدين لأكثرَ من عامٍ ونصف فانتصروا وثبتوا، أمام أقوى وأغنى وأوقح عدوان عرفته البشرية.

حتى من باب الحياء

بعد كل هذه المجازر .. نخاطب القاعدين في البيوت .. هلا استحيينا من أنفسنا وأجيالنا ومجتمعنا وحاضنتنا، هلاَّ حضر القرآن في قلوبنا بشكل فاعل!، إن من يرى هذه المآسي ثم لا يتحرَّك فيه نبضُ الجهاد، ولا يتدفَّق فيه شعورُ المسؤولية، فعليه أن يتَّهِم نفسَه، وأن يجدِّد علاقته مع القرآن الكريم، وأن يحييه كما أحياه الإمام زيد في واقعه.

لما رفع الإمام زيد راية الجهاد، قال: "الحمد لله الذي أكمل لي ديني، إني لأستحيي من جدي أن ألقاه ولم آمر في أمته بمعروف، ولم أنه عن منكر". فهلا استحيى القاعدون من رسول الله؟ هلا استحوا من الله؟ بم سيجيبون أجيالهم إذا سألوهم في أي جبهة كانوا يواجهون المعتدين؟!

جهاد الظالمين

كان برنامج ثورة الإمام زيد هو: "أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه وجهاد الظالمين، والدفع عن المستضعفين، وإعطاء المحرومين، وقسم هذا الفيء على أهله، ورد المظالم وإقفال المجمرة (التجمير: إبقاء المقاتلين في الثغور مددا طويلة) ، ونصرنا أهل البيت على من نصب لنا الحرب".

وهل هناك أظلم من هشام اليوم وهو يرسل طائراته الملعونة ليقصف المدن، والمساجد، والأسواق، والمستشفيات، والمدارس، والمصانع، فيقتل آلاف الأطفال، وآلاف النساء، وآلاف الشيوخ، عمدا عدوانا؟ هل ظلم هشام اليوم في الرياض، وأبوظبي، وواشنطن، وتل أبيب أهون من ظلم هشام الأمس؟ وهل هناك تجمير أفظع من تجمير العدوان وحبسه لأهلنا المرضى والجرحى والمسافرين في مطارات العالم؟ وموانئ الدنيا؟

إنما يقوم به المجاهدون بقيادة السيد القائد عبدالملك الحوثي حفظه الله لهو دفع عظيم عن مستضعفي اليوم مثلما دفع الإمام زيد وأصحابه عن مستضعفي الأمس؟

الدفاع أوجب

ثار الإمام زيد ضد الأمويين الطغاة، وكان في حالة الهجوم عليهم، ومن الطبيعي أن نثور اليوم ضد المعتدين البغاة، ونحن في حالة الدفاع، لأنها حالة تستوجب من الجميع التحرك، وقد قبل الإمام زيد نصرة جميع تيارات وطوائف الأمة، وذلك يبين لنا أنه لا يجوز لأي منا أن يتنصل عن الجهاد بحجة وجود شخص سيء أو أكثر في صفوف المجاهدين.

وإذا كان الإمام أبو حنيفة قد نصر الإمام زيدا بالمال، وأمدَّه في مرة واحدة فقط بثلاثين ألف درهم، فكيف يبخل أحدنا عن التبرع بمبلغ ضئيل جدا في سبيل تعزيز الصمود، وكيف يقف مستهزئا لمن يريد التبرع من المنفقين المبادرين؟

وعلينا أن لا نتذرع بربوية البنك المركزي؛ لأن وظائف البنك متعددة، ونحن في عصر التعقيدات الوظيفية، ونحن ندعم حالة الاقتصاد، لا حالة الربا.

إن تحركنا الجهادي الفاعل في أي جبهة هو ضمان لإعلاء كلمة الله، وتحقيقٌ لحياة الحرية والكرامة والرفاه، وإحرازٌ لخير الدنيا ونعيم الآخرة، وها هو الإمام زيد يخاطب أهل الكوفة بخطاب المنطق، لمَّا رآهم متثاقلين عن تلبية الواجب الديني خاطبهم بمصلحتهم في الدنيا، قائلا لهم: "يا أهل الكوفة! أخرجوا من الذل إلى العز ومن الضلال إلى الهدى، أخرجوا إلى خير الدنيا والآخرة فإنكم لستم على واحد منها".

إن البقاء في البيوت أيها اليمنيون الأعزاء .. يوفر للمعتدين قتلنا فيها. وخيرٌ من قتْلِنا في البيوت أذلاء، أن نُقْتَلَ في ساحات الشرف أعزاءَ كرماءَ.

أين كان سيكون؟

أيها اليمنيون .. لو حضر الإمام زيد فينا اليوم، فأين سيكون، وهو القائل: "أأسكن وقد خولِف كتابُ الله تعالى، وتحوكِم إلى الجبت والطاغوت؟! .. والقائل: "والله ما كره قوم قط حَرَّ السيوف إلا ذلوا".

بالتأكيد سيكون في المقدمة، يقود معركة التصدي، ويلقي دروس الصمود، وينثر بذور العزة، ويتلو آيات الصبر والنصر.

إمام الجهاد والاجتهاد

من المعيب أن نتجافى عن العلم النافع، وعما نحتاجه من هدي الله، والعبادات، وأهم المعاملات، وعن استنباطِ الأحكام لمواجهة النوازل والحوادث. لقد كان الإمام زيد أعلم أهل بيته، وناصره العلماء .. واليوم الأمة أيضا معنية باكتساب المعارف التي تعد العدة لتحصيل الردع الجهادي، ولا سبيل إلى اكتساب ذلك إلا بالعلم والمعرفة.

من القيقانية .. إلى بلاك ووتر والإخوانية

جلَب العدوانُ السعودي المرتزقة من كل أصقاع العالم، بل وصل الحال بأن اشترى ضمائر ميتة من أهل اليمن، لتقاتل في صفه، وتنطلق في سبيل أهدافه الصهيونية والأمريكية. وقديما جلب الطغيان مرتزقتَه (القيقانية) من بلاد السند (باكستان)، فشارك الآلاف منهم في العدوان على الإمام زيد، .. وما أشبه الليلة بالبارحة.

علماء .. على أشلاء الضحايا

وذاكم عالم السوء وتراث الداعشية (الزهري) المقرب من الأمويين، يقف الليالي الكثيرة حارسا لجثة الإمام زيد بن علي، وهي مصلوبة على جذع نخلة، يبارك طغيان الطغاة، ويضفي الشرعية على جرائم البغاة، مثله مثل مفتي آل سعود، عبدالعزيز آل الشيخ، والسديس، والقرني، والزنداني، وهم ينبحون بفتاواهم على أشلاء عشرات الآلاف من أطفالنا، ونسائنا، ثم لا يلبثون أن يقولوا كأمهم جهنم: "هل من مزيد"، ويكذبون عمدا بأن شعب الحكمة والإيمان، مجوسٌ يعبدون النيران، افتراءًا على الله، وتعديا على حرماته.

مثلكم الأعلى .. أيها المجاهدون

أما أنتم أيها المجاهدون الأبطال إذ تثبتون في مواقعكم، ما مثلكم إلا مثل إمام الأحرار؛ إذ مرَّت به خيل العدو، وهو يعلّم أصحابه، قال الراوي: "فواللّه ما رأيتُ رجلاً أربطَ جأشًا ولا أشدَّ نفسًا من زيد بن علي، واللّه ما قطع حديثه، ولا تغيَّر وجهه، ولا حل حَبْوَته. فلما مضت الخيل وجازتنا، وانفرج عنا ما كنا فيه، أقبل علينا بوجهه، وقال: يُرعِب أحدَكم الشيءُ يخافُ أن يحلَّ به، والله ما خرجْتُ لغرضِ الدنيا، ولا لجمعِ مالٍ، ولكن خرجت ابتغاء وجه اللّه والتقرب إليه، فمن كان اللّه هِمَّتَه ومن اللّه طلبته، فما يروعه شيء إذا نزل به"

وما أروعكم .. وأنتم تبيتون ليالي الجهاد، تذكرون الله، وتناجونه بأعذب الكلمات، كما أمر الإمام زيد أصحابه ليلة استشهاده، قائلا: "أحيوا ليلتكم هذه بقراءة القرآن والدعاء والتهجد، والتضرع إلى الله تعالى". فهنيئا لكم.

الحمدلله الذي رزقنيها

لما استشهد الإمام علي نادى مسرورا: (فزت ورب الكعبة)، وعلى دربه مضى حفيده الإمام زيد فقال لما حضرته: (الشهادة الشهادة .. الحمدلله الذي رزقنيها)، واليوم نرى رجال اليمن العظماء ونساءه العظيمات يتلقون الشهادة بترحيب كبير، وحفاوة بالغة.

بشراكم .. بشراكم

قال الإمام علي (ع): "يَخْرُجُ مِنِّي بِظَهْرِ الْكُوْفَةِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: زَيْدٌ فِيْ أُبَّهَةِ سُلْطَانٍ -وَالأُبَّهَةُ: الْمُلْكُ- لَمْ يَسْبِقْهُ الأَوَّلُوْنَ، وَلَمْ يُدْرِكْهُ الآخِرُوْنَ، إِلاَّ مَنْ عَمِلَ بِمِثْلِ مَا عَمله، يَخْرُجُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ هُوَ وَأَصْحَابُهُ مَعَهُمُ الطَّوَامِيْرُ، ثُمَّ تَخَطُّوا أَعْنَاقَ الْخَلاَئِقِ فَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ، فَيَقُوْلُوْنَ: هَؤُلاَءِ خَلَفُ الْخَلَفِ وَدُعَاةُ الْحَقِّ، وَيَسْتَقْبِلُهُمْ رَسُوْلُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلَهُ - وَيَقُوْلُ: (قَدْ عَمِلْتُمْ بِمَا أُمِرْتُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ).

بشراكم أيها المجاهدون فأنتم من يعمل اليوم بمثل ما عمِل به الإمام زيد، وأنتم خلف الخلف، ودعاة الحق، فبشراكم.. رضوان الله عليكم، وسلامه وبركاته وتحياته.

ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. (وما النصر إلا من عندالله).