جديدنا

بين ثورة الإمام زيد .. وثورة اليمنيين .. بقلم/ حمود عبدالله الأهنومي

بين ثورة الإمام زيد .. وثورة اليمنيين

حمود عبدالله الأهنومي

22 محرم 1439هـ

تجاوز العدوان السعودي الأمريكي على اليمن شهره السادس من العام الثالث على التوالي، ولا زال اليمنيون يقاومون هذا العدوان بشراسة منقطعة النظير، وبتصاعدٍ دراماتيكي في قدراتهم العسكرية، وتمتلئ بهم ساحات الثورة كما ساحات الشرف والعزة، رغم الفارق الكبير لصالح العدوان في التسليح، والغطاء الجوي المتطور، والتقنية العسكرية الحديثة التي يزوِّد الغرب بها عملاءه في المنطقة، وهنا نتساءل لماذا صمد اليمنيون كلَّ هذا الوقتِ، ولماذا يبدون استعدادا أطول، وإلى سنوات كثيرة قادمة؟ ولماذا اختص اليمنيون بخصيصة المقاومة الصلبة؟ ولماذا مرّغوا أنوفَ الغزاة على تراب اليمن الطاهر على مر التاريخ، ولماذا كانت جبال اليمن الشمَّاء هي المكان الطاهر الذي لم تدنِّسْه قدمُ محتلٍّ غازٍ أجنبي؟

إن إجراء سبرٍ واختبارٍ للفرضيات التي يمكن أن تُجِيبَ على هذا المشكِل يرجِّحُ أن ارتباطَ اليمنيين بالفكر الثوري الإسلامي المنطَلِقِ من القرآن الكريم وصحيح السنة النبوية، ممثلا في تطبيقات أئمة أهل البيت سلام الله عليهم، بدءا من الإمام الحسين عليه السلام ثم حفيده الإمام زيد بن علي، ثم من تلاهم حتى يوم الناس هذا، هو العامل الذي وقف خلفَ تشكيل الهُوِيَّة الثقافية والوجدانية والأخلاقية المنتمية لثقافة التحرُّر والإباء وتفضيل الموت بكرامة على العيش تحت وطأة الذلة والإهانة، حتى صار هذا الأمر إرثا تاريخيا، ويكتسب المشروعية التاريخية المستدعية للمجد والفخر، وصار ضمن تداعيات الانتماء الحقيقي للهُوِية اليمنية.

ومن دون شك فقد تضاعف التمسُّك بهذه الأخلاقيات والمبادئ في أهل هذا العصر من اليمنيين، بعد أن خدش العدوانُ في وجه كرامتهم، وأراد بصورةٍ مذلةٍ العبثَ بعزتهم؛ وهو الأمر الذي فسَّر ويفسِّر القوة الشعبية الهائلة التي رفعت لواء التحدي والصمود، وواجهت جحافل الغزاة والمعتدين في البر والبحر والجو، والتي لم تزدْهم كثرةُ التضحيات وأعدادُ الشهداء من المجاهدين والمدنيين إلا إصرارا على التمسُّك بموقفِهم والتشبُّث بحريتهم وكرامتهم.

وها نحن اليمنيين ونحن نخوض هذه المعركة، معركة الشرف والفضيلة والإباء والتحرُّر وفي مرور ذكرى استشهاد الإمام الثائر الحر الكريم الإمام زيد بن علي عليهما السلام، لا نمْلِك إلا الوقوفَ مليا عند هذه الثورة؛ لأنها تعتبر مصدرا مُهِمّاً من مصادر صمودنا ويقيننا، ومحطةً روحية مِعطاءة تزوِّدُنا بالصبر والمصابرة والمرابطة، ونجد فيها امتدادا طبيعيا لثورتنا، ومتنفَّسًا روحيا واسعا لمجاهدينا، وأمثولة فاضلة لتجرِبتنا، وصدىً أصيلا في أول الزمان لتحرُّكنا الواعي والرسالي؛ ولهذا لا يسعنا إلا التذكيرُ لأنفسنا ولإخواننا ولأبناء شعبِنا العربيِّ المسلم بهذه الثورة وأوجه التشابه بين ثورة الإمام زيد، التي تعتبر الثورة المُلْهِمة، والثورة الأم، والثورة المثال، وبين ثورتنا هذه التي لا زلنا نخوض غمار مراحلها الدامية، ونقدِّم فيها أنفسنا ونفيسنا ونساءنا وآباءنا وإخواننا وأبناءنا شهداء كرماء أعزاء، حتى نحقِّقَ التكريمَ الذي أراده الله لبني الإنسان.

سيستمر جهادنا وستستمر ثورتنا حتى نكونَ أملكَ بقرارنا وسيادة بلدنا وأقربَ إلى رفاهِ أبنائه من خلال الدولة اليمنية العادلة التي ننشُدها بإذن الله تعالى.

في هذه المقالة سيستعرض الكاتب بعض العناصر والمفردات الحيوية في ثورة الإمام زيد مع مقارنتها بنسختها المنحدِرة عنها، والمنتمية إليها، ثورة اليمنيين اليوم ضد هذا الاستكبار العالمي.

1-   الارتباط بالقرآن الكريم / القيادة المرتبطة بالقرآن الكريم

ولِدت ثورتنا اليوم كما ثورة الإمام زيد بن علي عليهما السلام بالأمس من رحم تعاليم ومنطلقات القرآن الكريم، الإمام زيد الذي يقول: "خلوْتُ مع كتابِ الله ثلاثَ عشرة سنة أتدبَّرُه وأتأمَّلُه"، والذي كان لا يتوسَّد القرآنَ ليلة من الليالي، بل كان يمر في ليالي عبادته الطويلة على آياته تأملا وتدبُّرا واهتداءً، إلى الدرجة التي شاع في أهل المدينة المنورة، إذا زارها أحدُ العلماء، فسأل عن الإمام زيد فإنهم سيجيبونه: (ذاك حليف القرآن). وهو اللقب الذي لم يحظَ به ابنُ أمٍّ منذ صدر الإسلام حتى يومنا هذا.

لقد طلب الإمام زيد من أخيه الأكبر وأستاذه الإمام العالِم محمد الباقر بن علي زين العابدين كتابا فيه بعضُ الأحكام من مرويات آبائه عليهم السلام، فنسي الباقر، حتى إذا مرّ وقتٌ تذكّر الباقر هذا الطلب، فذهب ليعتذر للإمام زيد، ويسأله إن كان لا زال بحاجة إلى هذا الكتاب، ففوجئ الباقر بقول الإمام زيد بن علي عليهم السلام: "لقد استغنيْتُ عنه بكتاب الله"، ولما أراد الباقر أن يختبرَه في مضمونه، فسأله عنه، قالوا: إنه "وجده لا يخرم منه حرفا".

إن إعلانَ الإمام زيد بن علي عليهما السلام استغناءَه بالقرآن الكريم عن كتاب أبيه، لدليلٌ واضح أن في القرآن الكريم ما يكفي من الهداية والأحكام التي تكفي للتحرُّك الثوري الجهادي، ولم يكن هذا الأمر معيبا بحق الإمام زيد، حتى يقال فيه: إنه ترك مروياتِ آبائه وأهل بيته وعدل عنها إلى القرآن الكريم، كما لم يكن معيبا بحق كتاب أبيه ومروياته أن الإمامَ زيدا استغنى بالقرآن عنها، لأنها كلها طرق موصلة إلى مرضاة الله، ولأن الإمام زيدا لم يخرم منها حرفا، ولم يخالفْ مضمونها بأية مخالفة، فما بالنا نعيب بعضنا بما لا عيب فيه، وبعد أن مرَّت قرون طويلة على مروياتٍ تزداد في كل جيل بأكثر مما كانت عليه في الجيل السابق له، في حين يُفتَرَضُ أنها تنقص ولا تزيد.

تماما كما هو الأمر بالنسبة لهذه المسيرة المباركة التي نعايشها اليوم، وتحمل ملامحَ مشروعٍ نهضويٍّ إحيائيٍّ كبير، يستنهِض الأمة من سباتها، ويدلها على مواضع رشدها، ويحذِّرها بحكمة عميقة على مكامن الضعف، وأماكن الخلل، وينطلق فيها من خلال القرآن الكريم ليفعِّل القلوب من خلال الانطلاق مع الله تعالى بيقين قوي لا يشوبه شك، وبثقة في الله مطلقة، وبتوكُّلٍ عليه لا ارتياب فيه، هذه المسيرة التي أهم ما يميزها هو انطلاقتها من القرآن الكريم بشكلٍ أساسي، عمَرَتِ القلوبَ بمعرفة الله عمارة زاهية، وسقت النفوسَ بأنهارِ أفكارِ القرآن العذبة، فانطلقت مع الله، وتحركت في سبيله، فكانت هذه الملحمةَ الأسطورية من الرجال الذين عرفوا الله حق معرفته والتي لا زلنا نعايش فصول أحداث صمودها، ومدى قوة يقينها وقوة رجالها وبأسهم على ضعف عدتهم وعتادهم وقلة ذات أيديهم.

إن الانطلاق من القرآن الكريم، لا يعني إهمال السنة الصحيحة المأثورة عن الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يقصد ذلك أبدا الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي في ملازمه، بقدرِ ما قصد اطمئنانه إلى ما جاء به القرآن الكريم، وأفضلية وأهمية السرعة والمبادرة إلى التحرُّك بالنص المضمون، بدلا من الضياع فترات طويلة وقطع المسافات الشاسعة في النصوص التي لا زالت بحاجة إلى الغربلة، والتمحيص، وهناك من الأمور الجهادية ما تستوجب سرعة التحرك، وفي القرآن ما يكفي لهذا.

قبل أن يتحرَّك الإمامُ زيدٌ في ثورته المسلحة كان قد تحرَّك تحرُّكًا معرفيا وفكريا وثقافيا ودينيا، فأعاد الناس إلى المصادر الأصيلة للمعرفة، واتجه أساسا إلى القرآن الكريم يدعو إليه، وإلى إحيائه، فمكث سنين طويلة يتأمله ويتدبره، يناجي الله من خلاله، ويستشعر أنه والأمة مخاطَبون بهذا الخطاب، في إطارِ تحركٍ عملي واعٍ، ولهذا وصلت قناعاته إلى وجوب الجهاد ضد أعداء الله المعتدين، وهذا شأنُ كلِّ من يتحرَّك من خلال القرآن ويتجه إليه باعتباره المصدر الأصيل للمعرِفة المكوِّنة للرؤية والوِجدان والسلوك والممارسة.

في العصر الحديث عزف الإمامُ الخميني عن مرويات أهل مذهبه حول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد، وإقامة شريعة الله، ولم يكن أمامه من خيارٍ سوى التوجُّه إلى كتاب الله ليحييَه في واقعه، وليأخذَ منه نظريته حول التغيير، وإقامة الحكومة الإسلامية، وأدبياتُه حول هذا الموضوع تشير إلى أنه عزف عن الآراء الفقهية لشيوخ مذهبه، ومروياتهم، واتجه صوب القرآن الكريم ليترجمه عمليا في تحركه الثوري الجهادي، ولارتباطه بالقرآن الكريم أحدث ما أحدث من تغييرٍ كبير وعميق في حركة التاريخ الحديث.

ومثله اتجه الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي إلى إحياء حالة الجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبناءِ حالة اليقين بما عند الله ونصره للمؤمنين، لمَّا بات الكثير ينتظرُ أن يكون في قوةٍ ماديةٍ موازيةٍ للظالمين والطاغين؛ وهو الأمر الذي لم ولن يحصل، وحينها لا يعدَمُ المتعذِّرون المسوِّغات والمبرِّرات للقعود، والتنصل عن المسؤولية، فعاد إلى القرآن ودعا إلى العودة إليه، واستثار هذه الروحية العالية في الشعور بالله، واليقين بما عنده، في نفوس أهل هذا الجيل العظيم الذي نراه اليوم يسطِّر أروع أمثلة التضحية والفداء، واليقين، والشعور بالمسؤولية العظيمة.

إن بقاء الارتباط بالقرآن الكريم والتحالف معه هو الضمان لبقاء الروحية الثورية الجهادية في هذه الأمة العظيمة التي أثبتت جدارتها تجاه هذا العدوان الصلِف والغاشم. وكما انتصر التحالف مع القرآن الكريم في مسيرتنا الأولى للبشرية جمعاء، وقدَّم لهم نصرا استراتيجيا، أسَّس لمفهوم الثورة على الحاكم الظالم الغشوم، وأسقط عروشَ الظالمين في فترات تاريخية عديدة، وصار مثلا أعلى ونموذجا ملهِمًا لكل الأحرار داخل هذه الأمة وخارجها، كذلك نشهد اليوم تباشير انتصار ثورتنا المباركة والتي تعد حسنة من حسنات إمام الجهاد والاجتهاد، وإن النصر لكبيرٌ ما دمنا مرتبطين بالله تعالى، متوكِّلين عليه، مقَدِّمين مؤهلات المعية له عز وجل، وهو الذي بيده النصر والعون.

2-   الثورة الفكرية والثقافية أولا

تميَّزت ثوراتُ أهلِ البيت عليهم السلام بأنها ثورات واعية، تعي مشروعها وواجباتها، وأهدافها، ولم تكن مجرد نزوات شخصية عابرة، أو ردّات فعل انتقامية، كما أنها ثورات شاملة، لا ينفصل فيها الديني، عن الفكري، عن الثقافي، عن السياسي، عن الاجتماعي، عن الاقتصادي، فإذا قدَّموا رؤية ثورية فإنها تكون رؤية شاملة كاملة تعالج حاجة الأمة والمجتمع في جميع المجالات؛ لأنهم على معرفة بأن كل مجال من هذه المجالات سيخدِم المجال الآخر، وهو بحاجة إليه، كما أن المجتمع والأمة محتاجون إلى إطلاق شرارتها، وهم المستفيدون في المقام الأول من برامجها، حيث دوما تنحاز إلى صفوف المستضعفين منهم والفقراء.

لقد اتكأ الأمويون على أدوات كثيرة في الحكم مكَّنتهم من السيطرة على الناس، بالإضافة إلى الأدوات التقليدية، كالمال، والسيف، ومنها أن الحاكم الأموي صنع تياراتٍ فكرية مناقِضة للمبدأ الإسلامي الأصيل، ووجّهها إلى مصلحة بقائه، وعدم المس بكرسيِّه، أو حتى التفكير في تغييره.

دأب حكام الأمويين وولاتهم على تصوير حكمهم كسيفٍ مُصلَت على رقاب الأمة، لا يُرّدُّ، ولا يحَدُّ، وما فتئ خطباؤهم يبشِّرون أنهم "قدر الله النافذ على الأمة، والذي لا بد منه"، والذي لن ينجلي حتى قيام الساعة، وثبت من مصادر عديدة أن مؤسس فكرة الجبر الإلهي هو معاوية بن أبي سفيان، وكان يهدف من ورائها إلى إماتة نزعة التغيير من عقول أبناء الأمة، وإلى خلق حالة فكرية تساعد على الرضا والصبر على المظالم الأموية، ولم يعجز هو وخلفاؤه عن تسويقِ مروياتٍ تجعلُ من ذلك الصبر المقيت - وهو جبنٌ في الحقيقة - دينا يَتقرَّب به إلى الله بعضُ المغفلين.

كما سعى الأمويون للتبشير بفكر المرجئة الذي يرجئ مظالم الظالمين والحكم على سلوكياتهم إلى يوم القيامة، بحجة أنه يكفي أنهم مسلمون، ولا يجوز الحكم على ظلمهم أو جورهم، وكان هذا الحزب هو التيار الذي راج بكثرة في العصر الأموي منذ مقتل الإمام الحسين واقتحام المدنية وقصف الكعبة في أيام يزيد، وتيسّر للأمويين بعضُ الزاهدين العاجزين عن اقتحام معارك مواجهة الشهوات، فدعوا لحالة القناعة والتواري بدلا من الحضور والتغيير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، خوفا من وقوع مظالم فاحشة وكبيرة، أي أن هؤلاء المتدينين بدلا من أن يجعلوا من مجزرة كربلاء، واستباحة المدينة المنورة، وقصف الكعبة موجِبا للتحرُّك الجهادي ضد من نفَّذها، ذهبوا إلى التخويف بها وجعلها مادة للتحذير من الثورة على من فعلها وارتكبها، ودعوا إلى الهدوء والاستسلام، تماما كما يفعل عملاء السعودية حينما يظهرون اليوم وراء كل جريمة يرتكبها العدوان ليُحَذِّروا الشعب اليمني من مغبةِ مواصلةِ الصمود والصبر والتحرُّكِ الجهادي بحجةِ وحشيةِ هذا العدوان.

إنها لنظرةٌ قاصرة، وهدّامة، وكابحة لأيِّ تحرُّكٍ ثوريٍّ قادم، أدركها الإمام زيد بن علي، وتحرّك لتفنيدها، والرد عليها منذ وقت مبكر في جهاده، من خلال القرآن الكريم، وحججه، ومن خلال المناظرات، وبالتحذير من هذين الحزبين حزب المجبرة وحزب المرجئة، ومن مقولاتهم، والتحذير حتى من الصلاة خلفهم، أو تسليم الزكاة لأيهم، عزلا لهم عن التأثير في المجتمع، وتقبيحا لطبيعة تحركهم ولمضمونه.

كما قدّم سلام الله عليه ملامح منهجية هامة للتعامل الإسلامي مع القرآن الكريم ومع المرويات النبوية، ووجوب عرضها على القرآن الكريم وعلى المعلوم من السنة النبوية، بل انطلق هو بنفسه لتطبيق هذه المنهجية الرائعة، وذهب يفسِّر القرآن حتى في عقر دار الأمويين في دمشق، ليحيي في الناس روح القرآن وتعاليمه، ولولا إدراك الأمويين خطورةَ استمرارِ السماح له في التعريف بثقافته وفكره، فمنعوه من الاستمرار في ذلك لكان قد أثَّر تأثيرا كبيرا، ولكنهم أصدروا المراسيم بمنع الناس حتى من السماع له، بحجة قوة تأثيره وبيانه.

ومن القضايا الثقافية التي كان يحتج بها الأمويون ومدارسهم الفكرية التدجينية، كثرة الناس الملتفين حول الخليفة الأموي، وقلة المتَّبِعين لأهل الحق، وفي هذا الصدد كتب الإمامُ زيدٌ سلام الله عليه كتابَه (مدح القلة وذم الكثرة في القرآن الكريم) مستهديا بالقرآن الكريم لتبيين خطأ نظرية أحقية الأكثرية، وباطلية الأقلية.

وما أشنع من يكرِّر هذه القضية اليوم ليقول لليمنيين بأنهم على خطأ؛ لأنهم أقلية مظلومة في مواجهة أكثرية ظالمة وغشومة.

ولأن معظم العلماء كانوا إحدى ركائز الحكم الأموي، من حيث انخراط بعضهم ودورانِه مع مشروع الأمويين التسلطي، أو من حيث تخلي البعض الآخر عن مسؤوليته في مواجهتهم، فقد استنهضهم الإمام زيدُ بنُ علي وحاجّهم بالقرآن الكريم، وبيَّن مسؤوليتَهم، وخطورة تأثيرِهم على العامة، وبيَّن أنهم هم مَنْ يتحمَّل المسؤولية العظمى، وحثهم بكلامٍ أقام به منار الحجة البالغة، وأعلى لواء المحجة الواضحة.

ولا يخفى أن المشروع القرآني في اليمن، وما سبقه من إرهاصاتٍ بالتحرُّك التعليميِّ المثمِر، كان ولا زال يسعى إلى تثقيف الناس بهذه الثقافة الجهادية، الواعية، وكان لذلك أثر عظيم، أثمر بإيجاد بِنْيَة بشرية كانت نواة التحرك في بدايته، وكان هذا التحرُّك السلمي يريد الاستمرار في ذات المسلك التربوي والتأهيلي والتثقيفي لولا معاجلة أعداء الأمة بإعلان العدوان العسكري المباشر والصريح ضد المؤمنين في أرضهم وديارهم.

وهنا نقطة هامة جدا يجب العمل عليها وهي أنه يجب التحرُّك سلميا لعزل علماء العدوان والمفتين به ووعاظه عن التأثير في المجتمع الإسلامي، بتبيين فظائع ما قاموا به من تأييدٍ للعدوان، وقتلِ الشعوب، وإحداثِ الفتن في المجتمع الإسلامي، بسبب ارتباطهم بالمشروع الشيطاني الذي تقوده أمريكا، وها هي الأحداث تتوالي تباعا لتكشف بشكل سافر مقدار ارتباطهم بمشاريع أعداء الإسلام، وآخرهم تصريح السديس عن ترامب وسلمان بن عبدالعزيز، وأنهما يقودان العالم إلى مرافئ السلام والرفاه والطمأنينة، والدعاء لهما.

ومن الأهمية أيضا أن يخاطِبَ العلماء الربانيون مَنْ يُظَنُّ فيه بقية خير من المخدوعين من العلماء لا سيما البعيدين عن الإقليم، كما خاطبهم الإمام زيد، وضعفُ تحرُّكِنا في مخاطبتهم تقصيرٌ منا يجب تلافيه، لا سيما وبين أيدينا وسائلُ عديدة للوصول إليهم، ومحاججتهم، والإنكار عليهم ولو من خلال قنوات التواصل الاجتماعي.

3- محاولات الإصلاح السلمي

 يلجأ مصلحو الأمم وقادة التغيير الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر إلى العمل المسلَّح باعتبارِه خيارا اضطراريا، حين تنسَدُّ أمامهم أبوابُ التغيير السلمي، وحين تتمُّ ملاحقتُهم وأتباعَهم بالسجن والأذى والقتل والاضطهاد، وحين يمنع الظالمون المستبِدون وصولَ صوتِ الحق إلى الجماهير، في هذه الحالة يضطر القادة وأعلامُ الهدى إلى خوضِ طريقة أخرى هي طريقة الكفاح المسلح.

في بداية هذه المسيرة الإحيائية التجديدية التي أسَّسها الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي في بداية ألفية الواحد والعشرين، غداة عربدت أمريكا وإسرائيل بشكل مُزعِج، ومُذِل، ومُهين للأمة الإسلامية، وحُشِرَتْ الأنظمة العميلة في المنطقة العربية والإسلامية في وضعٍ مزرٍ، فارتضوا لأنفسهم ولشعوبهم الخنوعَ والاستكانة بل والسيرَ في ركابِ الأمريكان المستكبرين للتنكيل بالشعوب واستغلال خيراتها، واستنزافِ ثرواتها، وكان غزوُ أفغانستان ثم العراق، وظلَّت فلسطين ترزح تحت نير الاحتلال الصهيوني، والصمت العالمي المخزي، وسادت الأمةَ حالةُ رهيبة من الصمت الجبان، وهنا أطلق السيد الشهيد الحوثي صرخته المدوية، كوسيلة من وسائل كسر ذلك الجمود الفاضح والسائد والذي يتناقض مع تعاليم القرآن الكريم، وبذلك قدَّم موقفا شجاعا ومناهِضا لتلك الهجمة الاستكبارية في زمن الاستكانة والصمت والخوف والهلع.

انطلق السيد الشهيد انطلاقة ثقافية سلمية تغييرية شجاعة موقنة بواجباتها وواعية لمسؤولياتها، ومتزوِّدة بمفاعيل المبادئ والقيم والتصورات والسلوكات الإسلامية القرآنية في واقع الأمة، انطلق يحث الأمة على تفعيل واجبها الجماعي (الجهاد) الذي يحرِّر مقدساتها المحتلة، ويصونُ أعراضها المستباحة، ويستنهِض إمكاناتِها ومقوماتها الكثيرة، ويحفظ كيانَها المنهار الذي يتداعي عليها الأكلة - ولا زالوا - من كل حدَبٍ وصوب.

غير أن الأمريكان والصهاينة أدركوا خطورة هذا الحراكَ السلمي الثقافي الإحيائي على مشاريعهم الاستعمارية والتدميرية التي تحفظ مصالحهم الأنانية، وتبقي على نفوذهم السافر في المنطقة، وعلى استعلائهم على شعوبها بشكلٍ فجٍّ، ومستغِلٍّ وقبيحٍ.

أدركوا خطورة هذا التحرك الثقافي، فأمروا أدواتهم في المنطقة للتحرُّك بمنع هذا الاتجاه بوسائلَ عنيفة، أولا بالسجن للناشطين، وتعذيبهم، وقتلهم، ومحاصرتهم، والضغط عليهم، وعسكرة المجتمع لمواجهتهم، وتحريضه ضدهم، بتأثير دعايات كاذبة مختلَقة ضدهم، تمهيدا لتحرُّكٍ عسكري، ثم التحرك عسكريا بشكل متوحش للإبادة والاستئصال؛ الأمر الذي اضطَرَّ الشهيد القائد أن يخوض حربا غير متكافئة كان استشهاده فيها بمثابة محطة روحية عظيمة أثارت في جماهير أتباعه الغيرة، وعمّدت تلك المقولات والتعاليم والقيم والمبادئ بأغلى ما يمكن المرء تقديمه، وهو الشهادة، فصارت القضية ذات مصداقية جماهيرية وشعبية، وباتت ذات رصيد ضخم من التضحيات، وهذا ما وسَّع من دائرة المتأثرين بهذه الحركة، وكثّرة المنخرطين في صفوفها؛ بالإضافة إلى أسبابٍ وعواملَ أخرى مهمة، ولها تأثير بالغ، لا يسعنا الآن ذكرها.

غير أن من المهم التذكيرَ بأنه كان للحركة العلمية والثقافية التي انتشرت بمحدودية في المحافظات الشمالية والوسطى، أثرٌ في إعداد المجتمع وتهيئته للقبول بهذه التعاليم والأفكار والتحركات، ومن ثم النقل إلى مَن وراءهم.

وكذلك كانت ثورة الإمام زيد سلام الله عليه، فقد خاطب جميع الفئات، التي عقَدَ أملَه عليها في التغيير، فتحرَّك في صفوف صناع الرأي، من العلماء، والمحدِّثين، والشعراء، والأدباء، والفقهاء، وموظفي الجهاز الإداري للدولة الأموية في الأمصار، كالقضاة، وكذلك تحرك في الطبقات المتنوعة والمختلفة في المجتمع، من عربٍ ومَوالي.

وتشير تنوعات الفئات المتأثرة به ممن أيَّد ثورتَه أنهم ينتمون إلى فئاتٍ متعددة حتى من ذوي المهن والأعمال التي كان يسترذِلها ذلك المجتمعُ القبلي؛ إذ حرص الأمويون على إبقائهم أسرى لتلك الثقافة العصبوية الجاهلية المغلوطة، وهو ما ناقض ما كان عليه الإسلامُ المحمديُّ الأصيل الذي ما فتئ أهل البيت عليهم السلام ينادون به ويعلِّمونه ويشيعون ثقافته.

أورد الإمام المرشد بالله الشجري (ت479هـ) في الأمالي الإثنينية، رواية رائعة، ومهمة، وذاتَ قيمةٍ تاريخية عالية؛ تقول الرواية: إنَّ الإمام "زَيْدَ بْنَ عَلِيٍّ دَخَلَ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيْزِ فَتَكَلَّمَ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِالْعَزِيْزِ: إِنَّ زَيْدَ بْنَ عَلِيٍّ لَمِنَ الْفَاضِلِيْنَ فِيْ قيْلِهِ وَدِيْنِهِ، وَكَانَ عُمَرُ يَلْطُفُ بِزَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ وَيُكَاتِبُهُ، قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ: كَتَبَ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِالْعَزِيْزِ فِيْ كِتَابٍ كَتَبَهُ إِلَيْهِ: وَإِنَّ الدُّنْيَا إِذَا شَغَلَتْ عَنِ الآخِرَةِ فَلاَ خَيْرَ فِيْهَا لِمَنْ نَالَهَا، فَاتَّقِ اللَّهَ، وَلْتَعْظُمْ رَغْبَتُكَ فِيْ الآخِرَةِ فَإِنَّهُ مَنْ كَانَ يُرِيْدُ حَرْثَ الآخِرَةِ يَزِيْدُهُ اللَّهُ تَوْفِيْقاً، وَمَنْ كَانَ يُرِيْدُ حَرْثَ الدُّنْيَا فَلا نَصِيْبَ لَهُ فِيْ الآخِرَةِ".

إن هذه الرواية تشيرُ إلى أن الإمامَ زيدا تحرّك للتغيير سلما حتى بمخاطبة فئة الحكام الأمويين أنفسِهم لما رأى أملا يلوح بالتغيير، بل حتى والحضور إلى بلاطهم، وأنه كان يُكْثِرُ القولَ بالنصح لهذا الحاكم، وكان هذا الحاكمُ المصلح يأخذ نصائح الإمام زيد على محمل الجد والاهتمام، وهو ما يثبته التاريخ لنا من خلال الإصلاحات الجيِّدة التي اضطلع بها الخليفة العادل عمر بن عبدالعزيز.

وكما تشير الرواية أنه كان يكاتبه متلطِّفا به، بمعنى أنه ربما كان يستشيره وأنه كان يحترمه ويجله، وجاء في الرواية مثالٌ لما كان يتم بين الإمام زيد والحاكم الأموي المصلح عمر بن عبدالعزيز، من قيل، ومراسلاتٍ، تبيِّن كيفية تحرُّك الإمام زيد في التغيير على مستوى قمة السلطة الأموية، بربطهم بالله تعالى، وبإضفاء الحقيقة الكاملة والناصعة على أي تحرُّك يصدر من الخليفة الأموي باتجاه التغيير، وهي حقيقة الآخرة، والتحرك في سبيل الله، ومن أجل رضوانه تعالى.

إن هذا نوعٌ من التحرك السلمي التغييري الذي يقوده أعلام الهدى، ينبغي التركيز عليه وتطويره، وتوظيف الإمكانات المتاحة لتنفيذه.

إن أعلام الهدى ليسوا طالبي سلطةٍ، ولا جاهٍ، ولا ثروةٍ، بل يدلُّون العباد على ما يهديهم إلى الله، ويرشدهم إلى رضوانه، فإذا وجدوا مَنْ يقوم بهذا مُصْلِحا أمورَ العباد، عادلا في الحكم بينهم أعانوه، ونصحوه، ويسروا أمره.

بل نشهد للإمام زيدٍ عليه السلام تحركاتٍ سلمية تغييرية في اتجاهات مختلفة، فقد كان يناظر الخليفة الأموي، ويحاجِجُه، ويطلبُ منه أن يرعويَ لحكم الحق، ولما فيه مصلحة الأمة جمعاء، ومناظراتُه مع هشامٍ كثيرة، وهذا من التحرُّك السلمي التغييري يعكِسُ مدى حرصِ هؤلاء العظماء على التغيير بالسلم.

كما شهدناه أيضا يحث علماء الأمة باعتبارهم قادة الرأي أن يجهروا بكلمة الحق، وأن يصدعوا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحذّرهم من كتمانِ ما نهى الله عن كتمانه، وشهدناه يجوبُ الآفاقَ، ويستجيش أفرادَ الأمة وجماعاتِها للتحرُّك في مسيرة التغيير السلمية.

غير أن السلطة الظالمة والمستبِدَّة لما أدركت خطورة هذه الدعوةِ السلمية، أمرت بالتضييق على تحركات الإمام زيد، ومنعِه من مخاطبة الناس، بحجة قوة بيانه، ونصاعة حُجَجه، وهذا يبيِّن أن أصلَ التحرُّك الجهادي لتصحيح المسار المنحرِف هو التحرُّك السلمي، وأن العمل المسلح ما كان إلا ضرورة استدعاها طغيان الطغاة وتكبُّر المتكبِّرين، والتضييق والكتم والتهديد والحبس والقتل.

وهذا ما تبين بشكل جلي في واقعنا المعاصر، فإن اليمنيين بقيادتهم الروحية الثورية كثيرا ما دعوا إلى التغيير السلمي الإيجابي، بما يُصْلِح أمر العباد، ويصحح مسار واقعهم السيئ، وهناك محطات كثيرة تُبَرْهِن على ذلك، فقد شاركوا في مؤتمر الحوار الوطني، واستمروا فيه إلى آخر لحظة، رغم استفزاز قوى التآمر المحلية والإقليمية لهم باغتيالاتِ قياداتٍ يمنية بعمليات عنفية تكفيرية، وكذلك قبلوا التوقيع على وثيقة السلم والشراكة، عقب انتصارهم العسكري الكبير على أبرز عملاء النظام العالمي المستكبر، ودعوا مراتٍ كثيرة هذا النظامَ السعودي العميل إلى إعادة التفكير في مآلات هذا العدوان الذي يشنُّه على اليمن، عل وعسى أن يسود منطق السلم، والحكمة، والحوار، ثم بعد أن شن العدوانُ غاراته الأولى كفَّ اليمنيون أيديَهم عن الرد لمدة أربعين يوما، لكن هذه الفرص والدعوات لم يفسرها الاستبداد والطغيان إلا بالضعف والخور، وهو ما استوجب التحرك عسكريا وقتاليا بالطريقة التي تكفلها الشريعة الإسلامية، وبما يضمن انتصار هذه الأمة المسلمة والعظيمة والمجاهدة.

4- التخطيط والتنظيم / لا فوضى ولا عفوية

تبيِّن طبيعة ثورة الإمام زيد عليه السلام وتدرُّجها المنطقي إلى مدى التخطيط والتنظيم الجيدين لهذه الثورة، من الثورة في الفكر إلى الثورة على الواقع، ومن تفنيد النظريات الكابحة للثورة إلى الترويج للعوامل الدافعة لها، وتشير مخاطبة الفئات التي كانت تصنع الرأي الاجتماعي العام، ومنهم العلماء، والشعراء، والمحدِّثون، والفقهاء إلى التحرُّك المنظَّم، والفاعل.

تقول الروايات: إن الإمام زيد بن علي أرسل بكتاب ثورته (برنامج الثورة) إلى الآفاق، وأنه طلب منهم أن يتحرّكوا غضبا لله، وليس فقط نصرة لأهل البيت المظلومين، وتشير بعض التقديرات إلى بلوغ المبايعين له مئة ألف مقاتل، من أهل البصرة والكوفة، والشام وخراسان، والجبال، كما تنص أنه أرسل وفودا إلى جميع أهالي مدائن العالم الإسلامي آنذاك، لدعوتهم إلى الانضمام إلى ثورته الإسلامية، وقد نصّوا على استجابة بعض المدن، والتي منها ما تقدم، بالإضافة إلى الرقة (شرق سوريا)، وواسط في العراق، وأن قاضي المدائن اقتنع بثورته، واستطاع بدوره إقناع أهل المدائن، ومكث الإمامُ زيدٌ نفسُه في الشام خمسة أشهر في بعض المرات، وفي البصرة شهرا، وفي الكوفة 13 شهرا، وبلغ المبايعون من هاتين المدينتين الأخيرتين فقط 18 ألف مبايع.

أي أن مساحة خارطة المدن التي بايعت الإمام زيد بن علي عليه السلام في العالم الإسلامي كانت مساحة متسعة وشاسعة، من شرق إيران شرقا إلى الشام غربا، بما فيها أرض العراق كاملة، ربما يبلغ خطها الطولي حوالي 3000 كم.

إن تحركا هذا شأنٌه، يحتاج إلى مواردَ بشرية هائلة، وإن عددا كبيرا من المبايعين يتطلب أيضا حركة منظَّمة، وقوية، وفاعلة، وإن استجابة متنوِّعة من فئات مختلفة من المجتمع، معناه أن الإمام عليه السلام قدَّم خطابا ثوريا جامعا أقنع به مختلف أفراد المجتمع وفئاته، وإن استجابة مهمة حتى من عقر دار خلافة الأمويين معناه أنه تم بذْلُ جهدٍ كبيرٍ في التنظيم والتحرُّك والفاعلية غلَبَ حتى على العَسس والعيون والجواسيس التابعين للسلطة الأموية، وهي التي اتَّصفت بالحزم والشدة في أيام هشام بن عبدالملك تحديدا.

كانت طريقة أصحاب الإمام زيد في أخذ البيعة هي أن رجلين من أصحابه كانا يُدْخِلان الناس عليه، وعليهم براقع فلا يعرفون موضع الإمام زيد، فيأتيان بهم من مكان لا يبصرون شيئاً حتى يدخلوا عليه، فيبايعونه، وهذا ما فوّت على الأمويين فرصة اكتشاف الثورة في التخطيط لها، والإعداد، رغم جهدهم الحثيث في ذلك، ورغم أموالهم الكثيرة.

إن هذا العرض كلّه يفيدنا اليوم أن يكون تحركنا بحجم الهدف والمشروع الذي نريده، مهما كانت المساحة الجغرافية التي نريد التحرك عليها كبيرة، ويلهمنا أن نعمل على تنظيم إمكاناتنا وترتيبها واستغلالها استغلالا لائقا، وعليه فإنه يجب وجوبا قاطعا أن تغيبَ العشوائية والعفوية وإلى غير رجعة في أتباع الإمام زيد اليوم، والتي للأسف قد تأخذ حيِّزا كبيرا من تحركاتنا رغم أن كثيرا من الأدبيات والتوجيهات التي أطلقتها وتطلقها قيادة الثورة في التنظيم وأهميته والتخطيط وضرورته.

5- واقعية الثورة / لا تجنيح في الخيال

لم يكن الإمام زيد في ثورته غائبا عن حيثيات حاجة المجتمع في المجالات المختلفة، ولم يغِبْ عنه ما كانت تعانيه الأمة من ويلاتٍ تحت ذلك الحُكْم الظالم، وبقراءة برنامجه الثوري الواضح وأهدافِه المُعْلَنة ندرك معنى ومغزى ما نادى به، لقد أعلن برنامجَه الثوريَّ ملامسا الحاجة الفكرية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية والعسكرية للأمة، وكان نبضا صادقا معبرا عن روح الإسلام المخنوقة من قبل الحكام الأمويين؛ روى البلاذري أنه: "كان (أي الإمام زيد) إذا بويع قال: أدعوكم إلى كتاب الله، وسنة نبيه، وجهاد الظالمين، والدفع عن المستضعفين، وإعطاء المحرومين، وقسم هذا الفيء على أهله، ورد المظالم، وإقفال المجمَّرة، ونصرِنا أهل البيت على من نصب لنا الحرب، أتبايعون على هذا؟ فيبايعونه ويضع يده على يد الرجل، ثم يقول: عليك عهد الله وميثاقه لتفينَّ لنا، ولتنصحنَّا في السر والعلانية، والرخاء والشدة، والعسرة واليسرة".

هذا البرنامج الثوري جاء إذن معالجة بيِّنة للانحراف الثقافي والسياسي والاجتماعي والاقتصادي والعسكري القائم آنذاك، ويرُدُّ ردا واضحا على من خمّن السبب في الثورة بأن خصاما شبَّ بين الإمام زيد وبني عمومته من أولاد الحسن على ولاية أوقاف آل علي، أو أن الإمام زيد بن علي عليه السلام وقع ضحية استغواء واستخفاف أهل الكوفة الذين خذلوه مكرِّرين للمأساة الحسينية، أو أنه كان حادَّ الطبع لم يحتمل أذى هشام بصورة شخصية، أو لأي سبب آخر من المقولات التي تبتعد عن هذا الواقع.

إن هذا أيضا يفيدنا أنه يجب أن يكون مشروعنا واضحا، وأن تكون رؤيتنا واضحة، وأن الطريق إلى الأهداف أيضا يجب أن يكون واضحا حتى ولو كان صعبا ومحفوفا بالمخاطر، وأن تكون حاجة المجتمع هي أهم أهدافنا الثورية التي نسعى لها، تلك الحاجة التي قد تكون دينية، وروحية، وفكرية، وسياسية، وأمنية، واقتصادية، واجتماعية، وإنه للائق أن تكون شعاراتنا الثورية واقعية لا تجنح في خيال بعيد.

ومن نعم الله على هذه الأمة أنها بهذه المسيرة وُجِد المشروع الصحيح والرؤية الواضحة والقائد الحكيم والشجاع، فإذا ما تحركت الأمة بحيوية موازية لقوة ذلك المشروع ووضوح رؤيته، وكانت متفوِّقة على قوة التحديات والتهديدات فإن النجاح والنصر والنهضة هي النتائج الحتمية التي تكفَّل بالله بإظهارها إذا ما انتصر الناس لدينهم وقضيتهم بالشكل اللائق والفاعل والمتفوق على التحديات.

لكن أولئك المحصورون اليوم في بيوتهم حصروا أنفسهم كما حُصِر أصحاب الكوفة في مسجدها بينما كان الإمام زيد عليه السلام يناديهم إلى الخروج إلى العز والدين والدنيا، أولئك المحصورون منعوا أنفسهم للأسف عن المشاركة في حاجة المجتمع العظيمة في صدِّ هذا العدوان الوقح، والتي هي حاجة ضرورية مُلِحَّة، وهامة، هذا البرنامج الذي يعالج حاجة المجتمع يستنهِضُ هؤلاء أن يكون من ضمن أولوياتهم وأهدافهم ومساعيهم وغاياتهم - تلبية حاجة المجتمع الثقافية والاقتصادية، والاجتماعية، وتغيير أحواله عموما، وأن حصر البعض لأيِّ تحرُّكٍ بكونه دعويا فقط خطأ كبير، بل هي منهجية وطريقة تشجِّعها الدول الطاغية، والمستكبرة؛ إذ لا يفرق الإسلام بين هذه المجالات أبدا، وهذا الإمام زيد وبرنامجه الثوري شاهدٌ كبير على ذلك.

6- أصالة الثورة / الفقراء أمام المرتزقة

اتَّسمت ثورة الإمام زيد بأنها ثورة أجمعت عليها الطوائف المختلفة، وجاءته البيعة من مختلف الأمصار، ونصره الفقهاء والعلماء، والمحدِّثون، والمؤرِّخون، وسمِّيَت لذلك ثورة العلماء، كما نصرها العربي والمولى، والحنَّاط، والخيَّاط، والعامل في الجهاز الإداري والعسكري للدولة، وغير العامل، والمحارب، والمزارع، واليمانية والقيسية، وكانت أهم فئة من فئات المجتمع، التي يشير انخراطها في أي ثورة إلى أهمية الحاجة إليها، وهي فئة المحتاجين والفقراء والبسطاء من الناس، الفئة التي تسارع دائما إلى نصرة رسالات الله والإيمان بها كما حدثنا القرآن الكريم؛ حيث لا تزال قلوبها صافية من العقد، والارتباطات الثقيلة، التي تكبِّل أهلها عن التصديق للحجج، والخضوع للبراهين.

إن تأييد تلك الفئات مجتمعة لثورة الإمام زيد  يشير إلى فجوة واضحة بين ولاة بني أمية وذلك المجتمع المسلم تفاقمت مع الأيام، فعلى سبيل المثال لم يقاتل أهلُ العراق أنفسُهم الإمامَ زيدَ بن علي كما كان عليه الحال في ثورة الإمام الحسين من قبله؛ ولهذا جلبت الدولة الأموية مرتزِقة من السند (باكستان حاليا) أطلِق عليهم القيقانية، وكانوا يجيدون الرماية، وكانوا إحدى فرق الجيش الأموي في العراق الذي اشترك في حرب الإمام زيد، كما كان هناك جيش شامي، هو الذي اشتبك مع أنصار الإمام زيد؛ الأمر الذي يعطي انطباعا بانحسار الولاء الأموي إلى حدًّ ما عن العراق وبعض البلدان، وأن الأمور كانت ذاهبة إلى منحى آخر، وهو الانطباع الذي يؤكِّده خطابُ يوسف بن عمر الثقفي والي العراق بعد استشهاد الإمام زيد، حين هدّد أهل الكوفة فيه بقطع زروعهم وإفساد أموالهم، واتّهم جميعهم بأنهم لا يوالون أولياءه الأمويين ما عدا رجلا واحدا منهم أشاد به .

لما برز القائد الأموي الشامي عبيد الله بن عباس الكندي برز إليه غلام حنّاط يدعى واصل، فضرب الغلامُ الحناطُ ذلك القائدَ الكندي ضربة موجعة وقال له: "خذها وأنا الغلام الحناط"، فقال الكندي: "والله لا أتركنك تكيل قفيزا بعدها"، لكنه لم يستطع فعل شيء، وانهزم هاربا أمام ذلك الحناط، لا يلوي على شيء، وحين رُمِي الإمام زيد عليه السلام بالسهم في جبينه دخل دار الجرّارين بالسبخة، وهم من يجرّون الماء من النهر للسقي به، وربما كانوا ضمن أحياء الهمدانيين من أرحب وشاكر، أو كانوا من الهمدانيين، حيث تقول رواية أخرى: إنه أُدْخِل إلى دارِ امرأةٍ همدانية.

لقد رثى شاعر الخوارج حبيبُ الهلالي الإمامَ زيد، واتهم في شعره من سماهم "أولاد درزة" بالفرار عنه، قائلا: (أولاد درزة أسلموك وطاروا) ، و(أولاد درزة) مصطلحٌ لفئة من الناس ترجمهم ابنُ الأعرابي، بالسَّفِلة من الناس، وفسرهم الزمخشري بالخيّاطين، وفسرهم الفيروزآبادي بالسَّفِلة والخياطين والحاكة، وهذا الوصف وإن أتى ضمن سياق احتقار العرب لأهل المهن والحِرف في ذلك العصر، لكنه يبين أن ثورة الإمام زيد كانت تلبي طموح تلك الفئات من الناس، لتعبِّر عن انطلاقتها الواقعية، وعن تأهُّلها للمشاركة الإيجابية التغييرية الثورية من وحي التعاليم الإسلامية التي وصل مداها إليهم.

وهذا كله يشير إلى أصالة الثورة الأولى، وإلى حاجة أولئك المستبِدّين الظالمين إلى جلب المرتزِقة القيقانية، كما هو عليه حال العدوان السعودي الأمريكي على اليمن في جلبه المرتزِقة من أصقاع الأرض المختلفة، من بلاك ووتر، ودارين كروب، والجنجويد، والأفارقة، والأمريكان، والصهاينة، وحتى ضعفاء النفوس من اليمنيين ممن ارتضوا لأنفسهم هذا الدورَ الحقيرَ المتمثِّل في الحصول على الرزق مقابل مهنةِ القتلِ والقتالِ من غير غرضٍ ولا دافعٍ سوى المال السعودي والإماراتي المدنّس.

حين انطلقت ثورة السيد القائد حسين بدر الدين الحوثي حوصرت بكمٍّ هائل من الدعايات المُغْرِضة، والتُّهم الملفَّقة، والالتباسات التي نشأت من بعض الأفكار الصادمة، والتي هي في الواقع سمة ملازمة لأية ثورة تغييرية، وكان هذا الحصار يفقِدها إلى حدٍّما الشعبية الثورية، ولكن مع مرور الوقت وانزياح كثير من تلك العوامل والأسباب فإذا بثورة الـ21 من ستبمبر وقد لبَّت الحاجة الشعبية الثورية، بالإضافة إلى قيمها الفكرية والثقافية الأصيلة تعبِّر عن أصالتها بشكل لا مرية فيه.

لقد اشتركت فيها جميعُ الفئاتِ اليمنية، القرويون الريفيون، والمدنيون، والموظَّفون، وغير الموظفين، وكبار شيوخ القبائل، وأفرادها، والسياسيون، والإداريون، والأكاديميون، والعلماء، والعسكريون، والفقراء، والأغنياء، والكتاب، والصحفيون، والمثقفون، والأحزاب، والمنظَّمات، والتيارات، والمذاهب المختلفة، وجميع مكونات المجتمع اليمني، المعتز بهُوِيَّته اليمنية، ومن يقف مع العدوان منهم فليسوا إلا فروعا حقيقية للهُوِيَّة النجدية الشيطانية والعدوانية، والتي تعتقد مشروعية الظلم، ومشروعية العدوان، وتمارسه، وتشجِّعه، أو من المرتزقة الذين لا همَّ لهم سوى الحصولِ على المالِ المدنّس.

إن أصالة هذه الثورة وشعبيتها الممتدة والمتجذِّرة هو الذي أكسب هذا الشعب الصمودَ والبسالة في مواجهة العدوان الغاشم، وزوَّده بالإمكانات البشرية الهائلة، رغم الضغوط الجبارة.

ولهذا فإن المتوقّع بأن هذا العدوان والدول المتحالفة فيه ستتلاشى وتنتهي؛ لأنه لا شعبية وراءه، وهو نوع من الظلم المُتْرَف والباغي، الذي عادةً يعجِّل بزوال الأنظمة التي تقف وراءه، وهذا ما يبدو عليه هذا النظام السعودي الآفن، وليس بحسب توقعاتنا ورغباتنا، ولكن أيضا بحسب دراسات كثيرة لخبراء وباحثين كثر، تماما كما عجَّلت ثورة الإمام زيد بزوال الدولة الأموية بعد حوالي عشر سنوات فقط كانت مليئة بالفوضى، رغم أن الدولة الأموية كانت في أقوى مراحلها في عهد هشام بن عبدالملك؛ ذلك أن الثقافة العامة للناس باتت ثقافة التغيير ومن كل الفئات المجتمعية.

7- قلق الطغيان من قوة البيان/ التكتيم الإعلامي

 

كشف السيد القائد عبدالملك الحوثي - في خطابِ ذكرى ثورة 21 سبتمبر 2017م - أن مجلس سفراء دول العشر هدده بالسكوت والصمت عند أحداث ثورة 21 سبتمبر 2014م، وأنه سخِر من تهديداتهم، ورمى بها عرض الحائط.

إن ذلك تجلٍّ جديد، وصورة متكرِّرة نجدها في مسيرات زعماء التغيير والثورات الشعبية في مواجهة الطغاة والمستبدين، ويتشابهُ ذلك إلى حدٍّ كبير مع تعميم الدولة الأموية المستبِدة إزاءَ خطاباتِ الإمامِ زيدِ بنِ عليٍّ عليه السلام.

لقد أصدرت السلطةُ الأموية قرارًا بمنع الجماهير المُسْلِمة من الاحتكاك بالإمام زيد بن علي، أو السماع لمواعظه، وخُطَبِه، وتفسيرِه للقرآن، وهدّدت من يُخَالِفُ ذلك بالضرب والعقوبة الجسدية والاقتصادية، بذريعة أن لسانَ الإمامِ زيدِ بنِ علي له حدٌّ كحد السيف والأسنة، وأثرٌ كأثر السحر والكهانة، تقول إحدى الوثائق الأموية عنه عليه السلام: "إن له لساناً أقطع من ظبة السيف، وأحصد من شبا الأسنة، وأبلغ من السحر والكهانة" كما ورد لدى (القيرواني الحصري ت453هـ، في كتابه زهر الآداب)، هذا الوصف وإن كان ينسجم مع ما أُثِرَ عن الإمام زيد من وصفِ معاصريه له، بقوة البيان، وجميلِ المنطِق، وفاعليةِ الحجة والبرهان، إلا أنه يكشف حجمَ القلقِ والخوفِ الذي دوما يساور السلطات الظالمة جراء كشف الحقائق للناس، وإطلاعَهم عليها.

كثيرا ما يستثمر الظالمون في بيئات الجهل، والخوف، وتزوير الوقائع والأحداث، فإذا ما جاء صوتٌ آخر يعبِّر عن نبض الحقيقة، ولا ينسجم مع الواقع المظلم الذي صنعوه - اعتبروه خطرا وجوديا يتهدَّد عروشَهم بل ووجودَهم المتأثل بالأكاذيب والمختلَقات؛ وكذلك كان الأمويون يفعلون، ويجري اليوم على منوالهم السعوديون، الذين جمعوا بين لؤم الخسيس المتسيِّد، وخسة العميل المنبطح.

اليوم سلطة العدوان السعودي الأمريكي ورغم أنها تملك وتهيمن على أكثر من 95% من وسائل الإعلام، ورغم أنه يمكنها أن تختلق أكذوبة مفضوحة لتجعلها متصدرة في الأخبار العالمية والمحلية كحقيقة، ولكن خليقٌ بكل من اطَّلع عليها أن يرُدَّها، ويُكَذِّبها لأول وهلة، كما هو واقع أكذوبة استهداف مكة المكرمة بصاروخٍ يمني، غير أن دول العدوان مع كل تلك الإمكانات فإنها لم تتحمّل بضع قنوات إعلامية، بل حتى قناة واحدة، مثل قناة المسيرة تنقل الحقيقة، وتكشفها لجماهير الناس.

طوال سنوات العدوان عمد العدوان السعودي الأمريكي إلى التضييق ومحاولات الإغلاق والتشويش لقنوات تنقل حقيقة ما يجري في اليمن، ويعلم الجميع محاولتهم في إغلاق قناة المسيرة والتشويش عليها في محطات متعددة؛ فقط لأنها تضيء شيئا يسيرا من هذه العَتَمة الموحِشة والمُظْلِمة في عالم الأوهام التي سماها الطغاة والمغفلون حقائق، أغلقوها فقط لأنها تنقل الكلمة الصادقة، وتكشف بعضا من هذا الزيف المتراكِم على مسمَعِ ومرأى هذا العالم كقطعٍ من الليل المُظْلِم المتكاثِف، لكن هذا يشيرُ بأن قوة الحق هائلة وجبَّارة، وأن قليلا من الحق كفيلٌ بتحطيم الكثير والكثير والكثير من الباطل، وأنه كما يتصدَّى قلةٌ من المجاهدين العظماء لجحافلَ بشريةٍ ومادية هائلة من الطغيان كذلك فإن قناة واحدة يمكنها أن تقاوِم آلافَ القنوات، وأن تفضَحَها على رؤوس الأشهاد، ويكون تأثيرُها والخوفُ منها أكبرَ بكبيرٍ مما نتصوَّر.

وهذا ما يحتّم على المتحرِّكين في مجال الحق توسيعُ دائرة نشر الحقيقة واكتساب الخبرات المعرفية والفنية لنشرها بطريقة لائقة، فالإمام زيد كان يملك الحجة الدامغة، ولكن تقديمُه لها بالطريقة اللائقة كان الخطر الإضافي الفاعل على الظالمين، وهو ما يجب العمل عليه اليوم، وجدير بمن يكون على قسطٍ من ثقافة الإمام زيد أن يترك المكايدات البينية، والنزوات الشخصية التي تضرُّ موقفَ الحق، وتجلِب على أهله التراجع، وتسبِّب لهم العقوبة الإلهية ولو بتأخير الانتصار.

8- المرأة .. كنزُ التضحيات وجبلُ الصبْر

 

تنوِّع اليمانية العظيمة اليوم من أبواب جهادِها، فهي أم الشهيد، والشهيدين، والثلاثة، والأربعة، وهي أخت الشهيد، وبنته، وزوجته، وهي المربية للرجال، والمنفِقة للمال، والحارِسة للأخلاق والأجيال، والمتدرِّبة على السلاح، والضاربة أعلى الأمثلة في الصبر والصمود والتحدي والمثابرة والمبادرة، وهي التربوية، والدكتورة، والشاعرة، والكاتبة، والإعلامية، والأكاديمية، والطاهية لطعام المجاهدين، والكافلة لأيتام الشهداء، والراعية لأبناء المجاهدين، والحاضرة بفعالية عجيبة في ساحات الثورة وميادين العطاء، بل باتت المرأة تطالب بإشراكها فعليا في المواجهات العسكرية، وأصبح لدينا الآلاف المؤلَّفة من المتدرِّبات على السلاح، واللائي حملْنَ على عاتقهن مسؤولية الدفاع وحفظ الأمن، وبات العدو في الداخل والخارج يَحْسِبُ للمرأة اليمنية الثائرة والبطلة ألف حساب.

تعرض يوميا شاشات التلفزة مشاهدَ حية عن المرأة، جميعها تُشْعِرُ بالفخر والقوة، ويتناقل المجتمعُ أخبارا في مواجهتها للعدوان بشكلٍ لا يكاد أن يُصَدَّق لولا أننا نراها عيانا بيانا، ولولا أننا نرويها عن الثقات، حتى أن السيد القائد عبدالملك الحوثي نفسه انبهر بمواقفها، وأشاد بها أيما إشادة.

وهذا ليس غريبا فقد شارَكَت المرأة الكوفية في ثورة الإمام زيد عليه السلام مشاركة فعالة، ولا سيما تلك المرأة التي تعود لأصولٍ يمنية، وتبيِّن رواياتٌ عديدةٌ أنها اقتحمت مجالات متنوِّعة في المشاركة في هذه الثورة العظيمة، ومنها:

-تقوية الثورة

بعد أن استشهد الإمام زيد أخذ يوسف بن عمر الوالي الأموي على الكوفة "امرأة قوّتِ الإمامَ زيداً على أمره فأمر بها أن تُقطَعَ يدُها ورجلُها، فقُطِعَتْ يدها ورجلها وتُرِكَتْ تنزِف حتى ماتت. ثم ضرب عنق زوجها".

هذه الرواية مع روايات أخرى بعضها سيأتي  تبيِّن أنه كان لهذه المرأة دورٌ مهم في تقوية الثورة وإعانتها بالدعم بالمال، والرجال، حتى أنه ليأتي دورُ زوجها دوراً تابعاً لدورها، كما يعاقَبُ بالتَّبَع لعقوبتها؛ لعظيم أثرها في تلك الثورة.

-الاستعداد في المشاركة الفعلية في القتال

روى البلاذري أنه "عرَض نساءٌ من نساءِ أهلِ الكوفة على الإمام زيد أن يَخْرُجْنَ فيقاتلْنَ معه .. فقال: ليس على النساء ولا على المرضى قتال"، أي أن المرأة الكوفية المؤمنة كانت مستعدَّة للمشاركة في الأعمال العسكرية المباشرة في نصرة ثورة الإمام زيد بن علي، وهي قضية خارقة لعصرها، حيث لم نشهد نساءً مقاتلات بشكلٍ جماعي يعرضْنَ مشاركتَهن العسكرية كمثل هذه الحادثة.

ولم يكن رفض الإمام زيد بن علي لقتالهن، إلا لأن هذه المسألة لم تكن معهودة اجتماعيا، وتحتاج إلى تمهيد، وإلى تهيئةٍ مجتمعية، ولأنه شرعا لا يتحتم الجهاد الحربي عليهن إلا في حالة الدفاع، ومع ذلك فإن تجنيد العدوان السعودي الأمريكي لنساءٍ في بعض الأعمال العدوانية مثل التجسُّس، وزرع الألغام، والشرائح، وغير ذلك، ولأننا في معركة دفاعية توجِب على جميع فئات المجتمع الاشتراك فيها بما فيهم النساء، فإنه يجب أن نأخذ هذا الأمر على محمل الاستعداد، وهذا ما أثبتَتْه المرأة اليمنية المسلمة خلال هذه الثلاثة الأعوام من العدوان، وشاركت في مجالات جهادية عديدة، لها أثر بالغ في مجريات المعركة.

وإذا كان نسوتنا على استعدادٍ للدفاع عن بلدنا، فما أحرى (المحصورين) في البيوت أن يكون لهم أيضا موقفٌ مناهضٌ للعدوان.

-تغطية تحركات الثائرين والتضحية بالغالي والنفيس

لمَّا رُمِي الإمام زيد بذلك السهم الذي خالط دماغه، أمر الإمام زيد أصحابه أن يحملوه إلى دارِ امرأةٍ همدانية، أي من أصل يمني.

دار تلك المرأة الهمدانية بحسب الرواية الأخرى في الأمالي الإثنينية كانت من دور أرحب وشاكر القبيلتين الهمدانيتين المعروفتين، وهذا يبين مشاركة النساء والرجال اليمنيين في تلك الثورة الإسلامية العظيمة، وأن المرأة فتحت دارها لتكون مقرات للثورة، وأنها مستعدة للتضحية من أجل الدين والإسلام بكل ما تملك.

وهذه المرأةُ اليمانية الأخرى والتي تنتمي إلى قبيلة الأَزد اليمانية، فإنها في ثورة الإمام زيد عليه السلام كشفَتْ عن مقدارِ وعيِها وعقلِها ورزانتها وقوة منطقها ثم صبرِها اللامحدود، كما عهدنا اليمانيات اليوم وهن يقفْنَ بجدارة عظيمة أمام المعتدين الظالمين، حيث بعث يوسفُ بن عمر الطاغية الأموي بعد استشهادِ الإمامِ زيد إلى امرأةٍ أزديةٍ كانت أمَّ امرأةِ الإمامِ زيد عليه السلام، وحُمِلَت إليه فقال لها: أزوَّجْتِ زيداً ؟ قالت: نعم زوجتُه وهو سامعٌ مطيعٌ، ولو خطب إليك ابنتَك إذ كان كذلك لزوَّجْتَه.

هكذا خاطبته خطاب الحجة البالغة والقوة الدامغة، فماذا كان موقف الوالي الحقير والطاغية الذي نراه اليوم متمثلا في (ابن زايد)، و (بن سلمان)، وأضرابهما؟

لقد قال ذلك الشقي لجنوده: شقوا عليها ثيابها، فجلدها بالسياط وهي تقرِّعه، وتقول له: "ما أنت بعربيٍّ، تُعَرِّيني وتضربُني لعنك الله، فماتت تحت السياط ثم أمر بها فأُلْقِيَتْ في العراء فسرقها قومُها ودفنوها في مقابرهم".

وكان قد هدم دارها، كما يفعل خلفُهم اليوم تماما، يهدمون الديار على رؤوس أهلها وهم نائمون.

وهكذا نرى تراث وجذور الداعشية الوهابية في الممارسات الأموية؛ ولهذا لا غرابة أن يدافِعَ الشيخُ القرضاوي، والزنداني، وصعتر وأمثالهم عن الدولة الأموية، ويسمونها (الدولة العربية)، كما يسمون الآن السعودية: (دولة العرب)، رغم أن هذه المرأة فضحت عروبتهم، كما فضحتها بنتُ اليمن اليوم، وتماما مثل فعل ذلك الحقير مع المرأة السابق ذكرها، بقطع يدها، ورجلها، وتركها تتشحط بين دمائها حتى ماتت، ألا يأتي كثرة أعداد الشهيدات من النساء وأطفالهن اليوم نتيجة غارات حقراء اليوم، في سياق واحد مع ممارسات الوالي الأموي؟!

أما نصيب "امرأةٍ أشارت على أمها أن تؤوي ابنة الإمام زيد" فقط مجردَ إيواء فقد كان "خمسَ مئةِ سوطٍ"، وأما من زوَّج ابنتَه ليحيى ابن الإمام زيد، وهو عبد الله بن يعقوب السلمي والذي كان أحد أنصار الدولة الأموية، وقد أثنى على طاعته لها حتى هذا الوالي الحقير، لكن لأنه ارتبط بعلاقة مصاهرة مع أسرة الإمام زيد فقد جيء به مكبَّلا يرسف في القيود، فقال له يوسف: ائتني بابنتك. قال: وما تصنع بها جارية عاتق في البيت. قال: أقسم لتأتيني بها أو لأضربن عنقك. فأبى أن يأتيه بها، فضرب عنقه، وأمر العريف (شيخ القبيلة) أن يأتيه بابنة عبد الله بن يعقوب فأبى، فأمر به فدُقَّت يدُه ورجلُه.

أما الدرسُ الذي يجبُ أن نعيَه من هذا فهو أن ملة الظالمين الحقراء واحدة، وطريقتهم ومنهجيتهم لا تختلف، وسوف لن يتخلَّف هؤلاء عن ممارسة ما هو أشنع مما فعله أولئك لو أتيحت لهم الفرصة لا سمح الله.

وأما إحدى إماء الإمام زيد فقد أخذوها، وَقَطَعُوا ثَدْيَهَا فَمَاتَتْ فِيْ ذَلِكَ رَحَمْةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهَا؛ ولهذا تحركت امرأة اليوم في اليمن حركةٍ جادّةٍ في مواجهة الظالمين الحقراء، حتى لا تتكرر مآسيهم لا سمح الله.

-إعلامية تنقل أخبار الثورة وأدبياتها إلى الأجيال اللاحقة

وتؤدي امرأتنا اليوم دورا إعلاميا رائدا، كما كانت تلك المرأة الكوفية الثائرة تنوِّع من جهادها، فتولى بعضهن وظيفة (إعلامية) تروي للأجيال أدبيات الثورة العظيمة، وما الذي جرى فيها، وهو دورٌ ما أروعَ إعلامياتنا اليوم وهن يقمن به أحسنَ قيام، وتحضرني أسماءُ عددٍ كبيرٍ منهن، أكنُّ لهن التقدير والشكر.

يقول الراوي: "حدثنا زكريا بن يحيى الهمداني قال: حدثتني عمتي عزيزة بنت زكريا عن أبيها قال: أردْتُ الخروجَ إلى الحج فمررْتُ بالمدينة، فقلت: لو دخلت على زيد بن علي فدخلْتُ فسلَّمْتُ عليه فسمعْتُه يتمثَّل بقول الشاعر:

ومن يطلبِ المالَ الممنَّع بالقنا*** يعِشْ ماجدا أو تخترِمْه المخارمُ

متى تجمعِ القلبَ الذكيَّ وصارما***وأنفا حميًّا تجتنبْك المظالمُ

وكنتُ إذا قومٌ غزوني غزوتُهم***فهل أنا في ذا يال همدانَ ظالم".

 

8- المرأة .. ووحيدُها المجاهِد الشهيدُ

الدرسُ العظيمُ الذي يتكرَّر في مسيرة الحق منذ آدم عليه السلام وإلى يومِ البعث هو ما رواه الإمام المرشد بالله في أماليه الإثنينية، بأن امرأة من خراسان (منطقة شرق إيران وغرب أفغانستان اليوم) كانت من أشدِّ الناس حبا لأهل البيت سلام الله عليهم، وكانت لا تُنجِب ولدا، فطلبت من زوجها أن يحُجَّ بها إلى مكة، فتعلقت بأستار الكعبة، وسألت اللهَ أن يهَبَ لها غلاما ذكرا تقرُّ به عينُها، قالوا: فوالله ما رجَعَتْ حتى علِقَتْ، فمكثَتْ حتى وضعَتْه غلاما كما طلبت من الله، فلم تزل تربِّيه، وتدلِّلُـه، وتعلِّمُه، وتثقِّفه، حتى كبُر ونشأ على أحسن طريقة، فلما ثار الإمام زيد بن علي في الكوفة، وكانت قد نزلتْ فيها "جَهَّزَتْهُ بِأَحْسَنِ مَا تَجَهَّزَ بِهِ أَحَدٌ مِنْ عُدَّةِ الْحَرْبِ، وَاشْتَرَتْ لَهُ فَرَساً، فَحَمَلَتْهُ عَلَيْهِ ثُمَّ دَعَتْ لَهُ، وَوَجَهَتْهُ إِلَى الإمام زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ، فَجَاهَدَ معه، إلى أن استُشْهِد معه".

ثم ماذا؟

قالوا: ثم رأت فِيْ مَنَامِهَا كَأَنَّ رُوَاقاً قَدْ ضُرِبَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، وَأَنَّ مُنَادِياً يُنَادِي مِنَ السَّمَاءِ: أَيْنَ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وَأَصْحَابُهُ؟ فَخَرَجَ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وَهُوَ مَعْصُوُبُ الرَّأْسِ فِيْ إِزَارٍ وَرِدَاءٍ، وَخَرَجَ أَصْحَابُهُ مُعْتَمِّيْن الرُّؤوس، فِيْ أُزُرٍ وَأَرْدِيَةٍ، فَقِيْلَ لَهُ: يَا زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ عَلَى مَاذَا قَاتَلْتَ الْقَوْمَ؟ قَالَ: قَاتَلْتُ الْقَوْمَ كَانُوا ظَالِمِيْنَ.

 ثُمَّ يُنَادِي الْمُنَادِي ثَانِيَةً: يَا زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ عَلَى مَاذَا قَاتَلْتَ الْقَوْمَ؟ قَالَ: قَاتَلْتُهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا فَاسِقِيْنَ.

 قَالَ: ثُمَّ يُنَادِي الثَّالِثَةَ يَا زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ عَلَى مَاذَا قَاتَلْتَ الْقَوْمَ؟ قَالَ: قَاتَلْتُهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِيْنَ.

فَأَجَابَهُ الْمُنَادِي: قَدْ أَفْلَحَ زَيْدٌ وَأَصْحَابُهُ، قَدْ أَفْلَحَ زَيْدٌ وَأَصْحَابُهُ. ثُمَّ انْتَبَهَتْ، قال ابن أخيها راوي القصة: فَحَدَّثَتْنَا بتلك الرؤيا، وقَالَ: كَانَتْ إِذَا ذَكَرَتْ رُؤْيَاهَا فَرِحَتْ بِهَا فَرَحاً عَظِيْماً.

أتذكر في هذا المقام نساءً يمانيات كريمات عظيمات، أمهات وأخوات وزوجات وبنات، وهن يودِّعن أحبابهن، وربما كان أحدهم وحيد أمه أو أخته أيضا، يحفِّزْنهم إلى المعركة للقتال والجهاد ضد هذا العدوان اللعين، المكوَّن من ظلمةِ وفساقِ العرب، وكفار الغرب والشرق، فيغادرها إلى ربه وهي راضية عنه مرضية، ألا ما أسعدكِ يا بنت اليمن، وأنت ترين في تلك المرأة الخراسانية مثلا أعلى تقتفين أثرها، مؤمنة صابرة.

 

تقدّم الشهيدَ والاثنين والثلاثة .. من البيت الواحد

استُشْهِد مع الإمام زيد كثيرٌ من الشهداء، بل إن بعضَ الشهداء كانوا من أهل بيتٍ واحدٍ، فأولئك الشهداء: َنُعْمَانُ، وَأَبُو النُّعْمَانِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي النُّعْمَانِ، كانوا من أهل بيتٍ واحد استشهدوا جميعا في معركة الفضيلة التي خاضها الإمام زيد، كما نخوضها نحن اليمانيين اليوم، وأولئك نوحٌ، وَمَنْصُوْرٌ، وَحَمْزَةُ ثلاثة إخوة شهداء كلهم بَنُوْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ، أحدُ أهم رجال العلم والمعرفة والفكر من أنصار الإمام زيد سلام الله عليهم.

ألا ما أعظمَكِ أيتها المرأة المؤمنة قديما وحديثا، وما أقوى احتمالك، وما أشد اصطباركِ!!

8- ثورة العلماء والفقهاء/ ثورة تتجاوز المذاهب

أورد المؤرخ أبو الفرج الأصفهاني، بابا فيه: "تسمية من عُرِف ممن خرج مع زيد بن علي من أهل العلم ونقلة الآثار والفقهاء"، وذكر من بينهم منصور بن المعتمر، و يزيد بن أبي زياد مولى بني هاشم صاحب الفقيه عبدالرحمن بن أبي ليلى، و الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت، وهلال بن حباب، قاضي المدائن، وزبيد اليامي، وسليمة بن كهيل، وهارون بن سعد، وهاشم ابن البريد، وأبو هاشم الرماني، والحجاج بن دينار، وسفيان الثوري، وعبدة بن كثير الجرمي، والحسن بن سعد الفقيه، وغيرهم، حتى لقد سميت ثورته بثورة العلماء.

إن ذلك بقدر ما يشير إلى أصالة الثورة، وأنها كانت ثورة واعية، فإنه يشير إلى كون العلماء والمفكرين هم الحامل الثقافي والفكري الذي نقل أفكار تلك الثورة إلى المجتمع المسلم، وهيأه لمرحلة التغيير وإزاحة الحكم الأموي من الوجود.

وكذلك اليوم فإن علماء اليمن والعلماء الأحرار في كل بلدان المجتمع المسلم صدحوا بالحق، واستنكروا العدوان، وأزهقوا أباطيله، وواجهوه ثقافيا وفكريا ودعويا وإرشادا وتوجيها، بل وتحرَّك كثيرٌ من العلماء الشباب ليتبوَّأوا مقاعدَ قيادية في حركة الجهاد ضد المعتدين، وشاركوا مشاركة عسكرية فاعلة.

وكما كان المؤيِّدون لثورة الإمام زيد من مختَلَفِ التيارات الفقهية والفكرية الإسلامية فكذلك العلماء المجاهدون اليوم ينتمون لمختلف التيارات والمذاهب الفكرية والفقهية الإسلامية، فاتَّحد الزيدي والشافعي، والسلفي والصوفي، والجعفري والإسماعيلي، جميعهم في صف واحد ضد العدوان، الذي يحمل عدة وجوه طائفية، وغربية، وليبرالية، ودينية متزمِّتة، ولكنه في حقيقة أمره عدوان شامل على البشرية جمعاء.

9- علماء .. على أشلاء الضحايا

وفي المقابل ذاكم عالم السوء وتراث الداعشية (الزهري) المقرَّب من الأمويين، الذي كان يقف الليالي الكثيرة حارسا لجثة الإمام زيد بن علي، وهي مصلوبة على جِذْعِ نخلة، يبارك طغيان الطغاة، ويضفي الشرعية على جرائم البغاة، مثله مثل مفتي آل سعود، عبدالعزيز آل الشيخ، والسديس، والقرني، والزنداني، وصعتر وهم ينبحون بفتاواهم على أشلاء عشرات الآلاف من أطفالنا، ونسائنا، ثم لا يلبثون أن يقولوا كأمهم جهنم: "هل من مزيد"، ويكذبون عمدا بأن شعب الحكمة والإيمان، مجوسٌ يعبدون النيران، افتراءً على الله، وتعديا على حرماته.

يجب أن لا ينسى المظلومون في اليمن أن منظومة علماء الوهابية كرَّست ادعاءات دينية باطلة وكاذبة قدَّمتها ذريعة لقتلهم وتدمير بلدهم، فهذا أعمى البصر والبصيرة مفتي السعودية عبدالعزيز آل الشيخ، بتاريخ 6ـ6ـ1436هـ في لقاء تلفزيوني يدعي بما يُبْكي ويُضْحِك، وهو أن اليمنيين "يسعون لإضلال الأمة عقائديا وأخلاقا وقيما وسلوكا، يريدون طمس الإسلام وأن يبدِّلوا عقائد الناس، يريدون أن يبدلوا دين العرب ولغة العرب". ويصف ما قام به العدوان من قتلٍ وتدميرٍ بأنه: "عمل مبارك وخيّر"، وأما الداعية الإخواني، وأحدُ أبواقِ مملكة قرن الشيطان، سلمان العودة، فقد غرَّد في حسابه على التويتر بتاريخ 26 مارس 2016م مشيدا بعاصفة الجرم والإبادة الجماعية، واعتبرها موقفا شجاعا ومنتظرا.

وهذا عوض القرني، بوقٌ آخَر من أبواق مملكة قرن الشيطان، يتغزّل بتغريداته على التويتر بتاريخ 5 إبريل 2015م في عاصفة حقدهم، و أثنى بتاريخ 27 يوليو 2015م في تويتر على عمليات التفجير والتفخيخ التي تنفِّذها مملكة قرن الشيطان في صنعاء من خلال ما يسمى بداعش، وهو الإخواني نفسُه الذي استقبل الشيخ عبدالمجيد الزنداني في بيته في أبها واحتفى به، وهو الذي تلطّخ بعار تأييده لـما سمي بـ«عاصفة الحزم»، وأفتى بأنها «جاءت لإغاثة بلدٍ جارٍ وشعبٍ مكلوم وقيادة شرعية استنجدت لوقف العبث بأمن ومقدَّرات اليمن والحفاظ على شرعيته ووحدته الوطنية وسلامته الإقليمية واستقلاله وسيادته».

أما إمام الحرم المكي عبدالرحمن السديس فقد اعتبر عاصفة الحقد الشيطاني حربا سيُسَجِّلها التاريخُ بمدادِ الذهب، ثم انتهى به الحال لأن يُصَرِّح في سبتمبر 2017م مشيدا ومثنيا على ترامب وسلمان بأنهما يقودان العالم إلى مرافئ الأمان والرفاه، وداعيا لهما بالخير.

لن ننسى إشادة الدكتور الإخواني المتلِّمق عايض القرني بقصف جبل عطان بتلك القنبلة النيتروجينية، التي قتلت المئات من المواطنين ودمَّرَتْ بيوتَهم، ولن ننسى قصيدته الشيطانية بعنوان: (لبيك يا سلمان)، دعما للحرب على يمن الإيمان، متَّهِما أبناء اليمن بأنهم عصبة الشيطان وعباد الوثن، ومطالبته فيها بإحراق اليمنيين الذين وصفهم بأذناب المجوس، وسراديب العمالة، ورجى أن يُشفَى غليلُه الملتهب بنار الحقد بضرب اليمنيين.

ها هم أولاء قد شهدوا بهذه الشهادات الآثمة، وأفتوا بفتاوى التدمير والقتل وهدم البيوت على رؤوس أهلها، وباركوا قصف المشافي، والمساجد، والأسواق، والقرى، والمدن، بالأسلحة المحرمة، والقنابل الكبيرة، وباركوا مئات المجازر البشعة؛ لهذا يجب أن لا ننسى هؤلاء الأفاكين الكَذَبة، وفتاواهم البعيدة كلَّ البُعد عن دين الله، وأن نعلم علم اليقين أنهم أبعدُ من يكونون عن منهج الله وشرعه ورحمته بعباده، وأن منهجهم ومذاهبهم وأفكارهم ليست من الدين في ورد ولا صدَر.

إن ما يرتكبه العدوان - الذي يباركه هؤلاء المداهنون شهود الزور - من جرائم لم يعهد لها التاريخ مثيلا، ليس جديدا على هذه الأصناف من البشر، فجديد أحدهم (صعتر) هو تجويزه لأن يقتل 24 مليون يمني، لكي يحيى مليون نسمة فقط، ولو أننا عدنا إلى جرائم الأمويين وما ارتكبوه بحق النساء والأبرياء لوجدنا تراث داعشية هؤلاء هناك.

10- المحايدون .. والمحبوسون في المسجد .. والنظارة

حديث العلماء والمثقفين الذين يدَّعون الحياد يشبه حديث ابن المبارك، الذي سجَّل له التاريخ إزاء الدعاة المجاهدين من أهل البيت عليهم السلام موقفا سلبيا في النكوص عن جهاد الظالمين، والدفع عن المستضعفين، قال: محمد بن جعفر بن محمد: "رحم الله أبا حنيفة؛ لقد تحقَّقتْ مودتُه لنا في نصرته زيدَ بن علي، وفعل الله بابن المبارك في كتمانه فضائلَنا"، ودعا عليه.

فيا معشر العلماء والمثقفين .. كل امرئ وموقفه، فليتخذِ المرءُ الموقفَ الذي يحب لقاءَ الله به، ولا أظنه إلا الموقف الذي يرضي الله رب العالمين، ويُغْضِبُ المستكبرين والظالمين، وينتصر للمظلومين والمستضعفين.

لقد رثى أبو ثميلة الأبار الإمام زيدا عليه السلام بشعر جميل ورائع، وينضَحُ بالوعيِ، وفهم العواقب الخطيرة للمنخذلين عن نصرة الحق، ومواجهة المعتدين، وأعجبني تساؤله حيث قال:

يا ليتَ شِعري والخطوبُ كثيرة *** أسبابُ موردها وما لم يوردِ

ما حجة المستبشرين بقتله *** بالأمس أو ما عذرُ أهلِ المسجدِ؟

وأهل المسجد هم الكوفيون الذين أمرَ الوالي الأموي بجمعهم فيه، وحصرِهم حتى لا ينصروا الإمام زيدا عليه السلام وكانوا قد أبدوا استعدادهم للثورة مع الإمام زيد، لقد كرَّ أنصار الإمام زيد ووصلوا إلى أبوابِ المسجدِ، وكان على من بداخله التحرُّكُ والخروجُ إليهم، وقد سمعوا أصحاب الإمام عليه السلام ينادونهم: "يا أهل المسجد .. أُخرجوا"، وجعل الإمام زيد عليه السلام يناديهم: "أُخْرُجوا يا أهل المسجد من الذل إلى العز، وإلى الدين، والدنيا، فلستم في شيء منها".

لكنهم راق لهم أن تيسَّر لهم ما توهَّموه عُذرا يَعذِرُهم عن الجهاد، وهو الحصر في المسجد، لقد كانوا يبحثون عن العُذْرِ، أكثرَ من بحثهم عن ما يلزمهم أمام الله، وكثيرون هم الذين يمكن أن يجدوا الأعذار وتسويغات التردُّد والانخذال، ومَنْ بحث عن الأعذار أكثرَ من بحثه عن الواجبات التي أوجبها الله، دلَّه الشيطان والهوى وحبُّ الدنيا وإلفُ العادة على كثيرٍ منها، لكنها لا تصمُد عند الاختبار، لا سيما في دار القرار.

أهل المسجد اليوم في هذه المعركة كثيرون، ويذري بعضُهم أعذارا باردة، تعبِّر عن إفلاسٍ حقيقي في الوعي، وعن فقر معرفي بالواقع، وعن جهل فاضح بطبيعة المعركة التي يخوضها الأحرار من هذا الشعب، غير أن واقعَ العدوان وأهدافَه وآمالَه وممارساتِه والقائمين عليه أمريكيين وصهاينة وعملاء ووقائع التاريخ وظروف الجغرافيا وحقائق المعركة تخبرهم بسوء موقفهم، وسيِّءِ عاقبتهم، ولا تبقي ولا تذرُ لشيءٍ من أعذارهم.

وليس المقامُ إلا مقامَ تذكيرٍ وتنبيهٍ لهم، وليس مقامَ توبيخٍ وتقريع، ولا بسط حجج وفرش أدلة، وإلا لبسطت القول في تفنيذ تلك الأعذار التي حصرَتْهم في المسجد، بينما رأينا المرأة المجاهدة على النقيض من فعلهم، فشتان بين حضور المرأة في الميدان، وتواري الرجل وانحصاره في المسجد والديوان، وليس في أي مكان آخر.

إن القاعدين الذين فضَّل الله عليهم المجاهدين أجرا عظيما، هم المجاهدون من المواجهين للعدوان من غير المقاتلين، كما ذكر ذلك السيد القائد حفظه الله، أما الذين لا موقف لهم في مواجهة العدوان، فهم الخاذلون الذين قصَّروا في واجباتهم، وفرَّطوا في ما أوجب الله عليهم.

و يا للأسف فإذا كان هناك محبوسون في المسجد يستنبتون في أسفار الأعذار عذرا عن الخروج للقتال مع الإمام زيد، فاليوم أيضا هناك المحبوسون في دورهم من لا يألون جهدا عن البحث عن تعِلة يتوسلون بها للبقاء مع نسائهم، بل هناك من هم أسوأ وهم أولئك الذين يدَّعون الحياد، ويقفون بعيدا عن طرفي النزاع محايدين، ينظرون ويتفرجون، يخذلون الحق، فينصرون الباطل، وهنا نذكِّر المحايدين اليوم بمحايدين سابقين، وصفَتْهُم رواية ثورة الإمام زيد عليه السلام بقولها: "وكان الناس فرقتين نظَّارة ومقاتِلة".

اليوم نجد كثيرا من الناس الذين تبلَّدت عقولُهم وأحاسيسُهم عن مشاهد القتل والدمار اليومي من هؤلاء المعتدين، وماتت ضمائرهم، وغشيتهم الأنانية، وركبهم حب النفس، فتراهم لا همَّ لأحدهم إلا الأكلُ والشربُ والنكاح، وهذا هو مبلغُ علمِ كثيرٍ من مثقفيهم، وأكاديمييهم، وتجارهم، وهذه الظاهرة نتيجة إشكالية ثقافية صوَّرَتِ الدين على أنه طقوس جامدة، وشعائر باهتة، لا تحرِّك شعورا دينيا، ولا توقظ ضميرا إنسانيا.

أليس على أولئك النظارة المحايدين أن يعلموا أنهم بسيف خذلانهم شاركوا في سفك دم الإمام زيد بن علي، وتركوا فرصة عظيمة يسَّرها الله لهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأنهم بذلك الموقف خسروا حتى ما أمّلوه في دنياهم من الرفاه والراحة، فخسروا الدنيا والآخرة، ثم أليس على هؤلاء أن يعوا أيَّ خطيئة يكررونها لو بقوا على حيادهم، وهل يدركون مقدار الجريمة لو بقوا نظَّارة يشاهدون المجرمين يعتدون، ولا يحركون ساكنا!!.

11- الخروج من الذلة إلى العزة

يعي المجاهدون عواقب الانحباس والانحصار في البيوت، وعدم المشاركة في الجبهات، ولهذا يندفعون إلى الجبهات بشكل أسطوري، إنهم يعون أن أهل المسجد المحصورين في بيوتهم اليوم سوف لن يغنوا من أمر الدواعش شيئا، وأنهم بذلك لن يجلِبوا إلا الذلة، التي حذَّر منها الإمام زيد أولئك المحصورين في المسجد يوم قال لهم: "أخرجوا يا أهل المسجد من الذل إلى العز، وإلى الدين، والدنيا، فلستم في شيء منها".

إنهم يعون ما يردِّدُه السيِّدُ القائد أن التضحيات مهما عظمت ومهما بلغت لن تكون إلا أقل القليل مما ستخسره أمتنا في حالة الاستسلام، وأن تلك التضحيات في عزة وكرامة وفي مرضاة الله وتحقِّق لأمتنا ما تبتغيه من الاستقلال، وتلبي الواجب الشرعي والديني إزاء المعتدين، فإنها تظل الخيار الأفضل، والنموذج الأمثل والأسلم والأقل كلفة.

بعض الأحزاب والشخصيات والتيارات تدعي مواجهة العدوان، ولكنها تكتفي بدور النظارة، المتفرِّجين على المشاهد، ولا تقدِّم أي دليل على جديتها وصدق موقفها، وهذه قوائم المنتسبين إلى الجيش طويلة جدا بلغت مئات الآلاف، لكن قلة قليلة من الأحرار منهم فقط هم مَنْ باعوا أنفسهم لله، وهبوا يدافعون عن الأمة والوطن والأعراض، بينما ظلت البيوت تكتظ بهم وبأجسامهم المملتئة المكتنزة من خيرات الوطن، فنمت عليه وترعرعت وترهّلَتْ، ولما دعا داعيه للجهاد دفاعا عنه، لم يُرَ منهم إلا أقفيتهم، ودورانهم حول بيوتهم ومزارعهم، وما أحقهم بقول الشاعر:

قنافذ هدَّاجون حول بيوتهم .. بما كان إياهم "عطية" عوّدا

نسي هؤلاء أنهم ببقائهم إنما يحكمون على أدوراهم بالموت المبكر، وأن التاريخ سيضعهم شبانا أقوياء بجانب العجزة من الكهول والنساء الضعفاء، وأنه سيضع إكليل المجد على رأسِ امرأةٍ كان لها دور عظيم في مواجهة العدوان، فرضي الله عنها، ورضيت هي بالعاقبة التي كتبها لها، بينما يضع على وجوههم علامة الخذلان، وعار الدهر والأيام، ثم العقوبة الإلهية من الخزي والوقوع في سخط الله وعذابه.

هم يعلمون أن التحرك في هذه الظروف سيعطيهم ما يريدونه من عز، وما يبتغونه من دنيا، وما حَرَمهم العدوانُ من مرتَّباتٍ وأجورٍ؛ إذ بمجرد أن يستعيد اليمن قراره واستقلاله وحريته وكرامته، فإن الخير سيعود ممتلئ الوفاض، فائض البركات، متوفر الخيرات.

12- جذور داعش .. وأسرانا

الممارسات الداعشية التي نواجهها اليوم كانت موجودة على عهد الإمام زيد سلام الله عليه، وما يرتكبونه مع أسرانا يمكننا أن ننظر نسخته الأولى في الوالي الأموي الحقير يوسف بن عمر، حيث يخبرنا التاريخ أنه ما إن استشهد الإمام زيد سلام الله عليه، حتى نادى منادي يوسف بن عمر: من جاء برأسٍ أو أسيرٍ فله ألف درهم، فاستبق أهل الشام على الرؤوس والأسارى، فكان لا يؤتى يوسف بن عمر بأسيرٍ إلا أمر بقتله وإحراقه.

بعد أن فاز الإمام زيد عليه السلام بالشهادة أخرجه الطغاة من قبره، من تحت الماء، وصلبوه عريانا لمدة أربع سنين، ثم أحرقوه بالنار، ثم ذروا رماده في الفرات. ثم أذاقوا من اتهموه من أهل الكوفة بنصرته سوء العذاب، فقتلوا الرجال، والنساء، وعذبوهم، وأحرقوهم، وسحلوهم، وصلبوهم.

تماما كما يفعل التكفيريون اليوم بخصومهم غدرا وصلبا وسحلا وتحريقا وتغريقا وتعليقا ودهسا ورميا من شاهق ودفنا للجرحى أحياء، هذه المدرسة التكفيرية لها جذور في هذا التاريخ المظلم، ولهذا يجب أن ندين هذا السلوك في تاريخنا حتى لا نعطي شرعية تاريخية لمن يمارسه اليوم. وهذا أيضا يطمئن أن الثوار اليمنيين الأحرار يمضون في طريق الأئمة المصلحين، الآمرين بالمعروف، والناهين عن المنكر.

13-خطورة السكوت على الجرائم

مثَّل مقتل الإمام الحسين بن علي الذي تنزلت الآيات القرآنية بفضله، وامتلأت كتب الحديث النبوي بمناقبه - نقطة فارقة في تاريخ الإسلام، كشفت أن الأمة انحدرت إلى مستوىً سحيقٍ من البُعد عن الله، والغفلة عن مشروعه الإلهي في هذا الوجود، وعكست مقدار البعد عن تعاليم القرآن الكريم؛ ولهذا كان على المجتمع المسلم آنذاك أن يتلقَّى هذه المصيبة الفادحة باعتبارها صدمة فكرية وأخلاقية وروحية واجتماعية، وأن تُزَلْزَلَ أفكارُه، لكي يعود إلى رشده، ويتلمَّس الهدى ليضع رجله في الطريق الصحيح.

إن قتلَ الإمامِ الحسين وأهل بيته - الذين هم أهلُ بيتِ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - بتلك الطريقة الوحشية، جرّأ تلك السلطة إلى ارتكاب المزيد من الجرائم؛ لذلك فقد أعقبها الأمويون في العام التالي بجريمةِ استباحةِ المدينة المنورة ثلاثة أيام، بكلِّ ما تحمله كلمة (استباحة) من معنى، ثم أعقبوها في العام التالي أيضا بجريمة قصفِ الكعبة بالمجانيق، وتحريقها، وإخافة الداخلين بالمسجد الحرام الذي جعله الله للناس أمنا.

وهكذا الأمر بالنسبة لمقتل الإمام زيد بن علي عليه السلام، وقتله وصلبه ثم حرقه، وكذلك ارتكاب أسوأ أنواع الخسة والانتقام حتى بحق النساء، والتي كان يجب أن تتحرك الغيرة في المجتمع العربي المسلم للوقوف في جه تلك الممارسات، لكنها ارتُكِبَتْ والأمةُ تغصُّ في سُباتٍ عميق، لا تستنكر ولا تهتم لمثل تلك الفظاعات.

وبالمقارنة فإنه على هذه الشعوب التي نعايش اليوم سكوتَها المخزي، وصمتَها الشيطاني، وهي ترى المجرمين من تحالف العدوان السعودي الأمريكي يعيثون فسادا في اليمن أرضا وإنسانا، حتى أنهم لم يتركوا خطَّا من الخطوط الحمراء إلا وتجاوزوه، ولا جريمة ولا فرصة من جرائم وفرص القتل إلا وأسرعوا إليها.

إن على شعوب العالم اليوم ولا سيما شعوب المنطقة والعالم الإسلامي أن يستعِدُّوا لجرائمَ مشابهةٍ ستمارَس ضدهم، وترتكَب بحقهم، وسوف لن يجدوا الكثير ممن يستنكرُها؛ لأنهم هم قد حكموا على أنفسهم باستحقاقهم لها بسكوتهم حين مورِست بحق اليمنيين فسكتوا، ولم ينبسوا ببنت شفة.

حتى اليوم وعلى مدار ما يقارب الألف يوم ارتكب العدوان السعودي الأمريكي مئاتِ المجازر بحق شعبنا، وكثير منها جرائم حرب، كفيلة بأن تضع أرباب التحالف خلف قضبان العدالة، وأن يتحرَّك كلُّ حر، وكل مسلم، وكل إنسان لإيقافها، ومع ذلك فهناك صمتٌ عالميٌّ وعربي وإسلامي مطبِق، ومخزٍ، يبيِّن بوضوح أن منظمات حقوق الإنسان العالمية، والمحلية، والأنظمة العربية، والإسلامية أصبحوا أصفارا على الشمال، وأن الحديث عن الحضارة الغربية ورقيها، وعن العلمانية وفضائلها، وحرية الإعلام وفضاءاته الواسعة، كله هراء في هراء، وأنها كلها غير جديرة بالثقة، ولا بالتأثر بها، ولا بالانتظار منها خيرا، وأنها بعيدة عن كل الادعاءات التي أطلقوها وصكوا مسامعنا بها.

وأي إسلام هذا الذي طالما رطن به مطاوعة السعودية وغلمانهم في اليمن، وأي إسلامٍ هذا الذي أوسعونا به زجرا وتخويفا أن يعتدي أحدُنا على هِرٍّ، بينما سمح لهم بالاعتداء على جميع الأحرار، والحيوانات، والبشر، والحجر القابعين على هذه الأرض اليمنية؟ وأي إسلام عليه شيوخ الأزهر، والقرويين، وفاس، والمشارقة والمغاربة، يسمح أو يبرّر السكوت على / أو المباركة لارتكاب مئات الجرائم والمجازر بحق شعب عربي مسلم؟ والتي مجزرة واحدة فقط منها كفيلة بتحريك ضمير الجبال والبحار إن كان لها ضمير، دعك من هؤلاء الذين ملأوا الدنيا زعاقا ونعيقا بحضارتهم وأخلاقياتهم وحقوق الإنسان لديهم، ثم لم نجدهم نحن كيمنيين إلا شركاء قذرين ووقحين في مجازِرَ بشعة وفظيعة تُرْتَكب بحقِّ شعبٍ عربي مسلم، لا ينوي الشر بأحد.

في قادم الأيام ستشن إسرائيل وأمريكا وغيرُهما حروبا همجية، ضد الفلسطينيين وغيرِهم، وسيسومونهم سوء العذاب، ويرفعون سقْفَ جرائمِهم إلى الحد الذي ابتدعه السعوديون، وحين يرتكبون جريمة أو اثنتين، وتستنكر عليهم المنظمات الحقوقية، فإن مجازرَ العدوان على اليمن ستكون الملاذَ الاضطراري للصهاينة وغيرِهم لتبريرِ جرائمِهم القذرة، ومن سيسمع لهم شكواهم حينئذ؟!.

إن إسكاتَ صوتِ هذا العدوان، وإطفاءَ ناره السموم، وإدانة جرائمه البشعة مصلحةٌ إنسانية أولا؛ لأنها ستُغْلِقُ الباب أمام أيِّ معتدٍ غاشمٍ ينوي أو يبيِّت الإجرام ضد آخرين بذات الجرائم التي طالت اليمنيين وبقدر مستواها في الفظاعة، وهو أيضا مصلحة عربية وإسلامية؛ لأنه إذا تم إيقافُ الحرب وتم إدانتها ومحاكمة المتورِّطين فيها فربما ستساهم في إعادة الاعتبار لبعض الأخلاق، والحدود، والقيم، وقواعد الاشتباك، وهذا ما لا أظنه سيكون في المستقبل المنظور.

14-  المرتزِقة بين الأمس واليوم

استعان فراعنة عصر الإمام زيد بمرتزقةٍ جلبوهم من السند يقال لهم (القيقانية) وكانوا رماة محترفين بالنبل، واستخدموا في معركتهم معه فرقة كبيرة منهم بلغ عددها (2300) رامٍ، تماما كما يفعل اليوم فراعنة عصرنا في هذا العدوان السعودي الأمريكي حيث جلبوا إلى اليمن (الجنجويد) السودانيين، وبلاك ووتر، ودارين كروب، والصوماليين، والغربيين، والعربان، كل ذلك ليطفئوا ثورة الشعب اليمني التوّاق إلى الحرية والكرامة، وهذا الأمر يبيِّن أين يقف اليمنيون اليوم في صراع الحق والباطل الذي يمتد على طول الزمان منذ بدء الخليقة وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

 

15-  يسبون الزهراء

يجد اليوم المتابعُ لكتابات ومحاضرات مرتزِقة الرياض جراءة عجيبة للنيل من المرأة، ولا سيما من سيدة نساء العالمين الزهراء بنت الرسول صلى الله عليه وآله وسلم؛ فقط لأن الله أخرج من ذريتها الطيبة السيد القائد عبدالملك الحوثي، وبدلا من أن يكون ذلك مصدرَ احترام، جعلوه مبعث سباب وشتيمة لمن بشرها الله بالسيادة على نساء العالمين.

لا يعدم أحدُ هؤلاء المرتزِقة سلفا سيئا له في هذه القضية على عهد معركة الإمام زيد سلام الله عليه، فقد برز هناك جندي أموي يسب فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما سمعه الإمام زيد بكى حتى ابتلّت لحيته، وقال: أما أحدٌ يغضب لفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أما أحدٌ يغضب لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أما أحد يغضب لله؟ .. فاستتر أحد الأبطال من خلف النظارة، واستطاع أن يفتك به فأتى الإمام زيدا، فجعل يقبل بين عينيه، ويقول له: أدركت والله ثأرنا، أدركت والله شرف الدنيا والآخرة وذخرها، اذهب بالبغلة فقد نفلتكها.

ومن يخوض هذه المعركة في هذه الأيام إنما هو في الحقيقة يدرك شرف الدنيا، والآخرة كما وصف ذلك الإمام زيد نفسه سلام الله عليه.

16-  الإمام زيد الإنسان .. الحر الثائر المؤمن

مر عليه السلام في أحد أسفاره بالعراق على قرية مسيحية، وفي تلك الليلة جاء زوجتَه المخاضُ وجاءت بولد، فشاركه أهل القرية فرحته، فسمى ولده ذلك عيسى، تأنيسا لهم وتقريبا، وهذا كشف عن إنسانيته المعبرة عن حقيقة الدين المحمدي الأصيل، وتتضح إنسانيته أكثر في تحرُّكه الثوري ضد الاستبداد الذي طال الإنسان المسلمَ وغيرَ المسلم واستعبده.

لما استشهد الإمامُ علي نادى مسرورا: (فزت ورب الكعبة)، وعلى دربه مضى حفيده الإمام زيد فقال لما حضرته: (الشهادة الشهادة .. الحمدلله الذي رزقنيها)، واليوم نرى رجال اليمن العظماء ونساءه العظيمات يتلقون الشهادة بترحيب كبير، وحفاوة بالغة.

ما ذلك إلا دليل أن القوم لم يتحركوا من أجل الدنيا، وما نراه اليوم من أبطالنا لهو أعظم دليل أن الشهداء همهم الأكبر هو رضوان الله عز وجل، والشهادة لديهم خيار كريم يوازي الانتصار على الباطل.

17-  الجزاء من جنس العمل

إمعانا في قتل فكرة الثورة التي قادها الإمام زيد سوَّل للأمويين شيطانهم الداعشي أن يصلبوه على خشبة، عريانا، وأن يطوفوا برأسه في الآفاق، غير أن الله جعل من تلك الإهانة مكرمة، حيث أرسل العنكبوت لتنسج خيوطها وتستر عورة الإمام، كما تدلَّت بعد ذلك قطعة من جسده لتستر عورته، وهذا ما أحدث أثرًا عكسيا لما أراده الحقراءُ من تحقير الإمام، فتعلّقت بالإمام الشهيد الثائر قلوب المسلمين، وازدادت منزلته وفضله بشكل كبير.

ومع ذلك فإن الله قد عاقب الظالمين بعقوبةٍ مماثلة لإجرامهم، فبعد حوالي 10 سنوات فقط رؤي جسدُ هشام بدمشق – وكان قد طلي عند موته بمواد حافظة للجسد من التحلل – مُحْرَقاً، ومصلوبا مجلودا، وتحقّق ناموس الله حيث يقول: (ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله)، أما يوسف بن عمر الوالي الأموي فإنه ضمن تصفيات الأمويين فيما بينهم حُبِس، ثم أخرِج من الحبس، وقطِّع قطعا، ووضِع عَلَى كُلِّ بَابٍ منْ دِمَشْقٍ مِنْهُ عُضُوٌ، قال الراوي: "كُنْتُ بِدِمَشْقَ حِيْنَ قُتِلَ يُوْسُفُ بْنُ عُمَرَ، فَجُعِلَ فِيْ رِجْلِهِ حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ وَجَعَلَ الصِّبْيَانُ يَجُرُّوْنَهُ وَقَدْ قُطِعَ رَأْسُهُ، وَكَانَ قَصَيْراً، فَكَانَتِ الْمَرْأَةُ تَمُرُّ بِهِ فَتَقُوْلُ: لأَيِّ شَيءٍ قُتِلَ هَذَا الصَّبِيُّ".

ألا ما أكثر إنصافك أيها الزمان، وبعد ذلك يأتي حكم الحاكم الديان.