جديدنا

العلامة الكبسي المغمور المشهور .. بقلم: الحسين بن أحمد السراجي

العلامة الكبسي المغمور المشهور .. بقلم: الحسين بن أحمد السراجي
يؤسفني تعطَّل هاتفي هذه الأيام بخلل فني الأمر الذي أعاقني عن معرفة نبأ وفاة السيد العلامة الهمام قاسم بن محمد الكبسي رضوان الله عليه لأكتب عنه ولو نزراً بسيطاً من عظيم ما يستحق عالم جليل وقامة علمية مشهورة ومغمورة في نفس الوقت وقد رحل عن دنياه بصورة مفاجئة في هذا الظرف الحرج من تأريخ اليمن الذي يفقد خيرة رجالاته وكأنه على موعد مع البلاء بفجائع العدوان ومآسي القدر !!
في حوالي شهرين يفقد اليمن ثلاثة من خيرة أبنائه العظام ففي 9 سبتمبر رحل العالم الرباني والأصولي اللغوي محمد بن محمد المنصور وفي 8 أكتوبر وقعت كربلاء الصالة الكبرى وكان من شهدائها رجل السلام أمين العاصمة اللواء عبدالقادر بن علي هلال وفي 12 من هذا الشهر نوفمبر يرحل العالم الكبير قاسم بن محمد الكبسي سلام الله عليهم لتزداد معاناة ومآسي هذا البلد المنكوب !!
العلامة الكبير قاسم بن محمد الكبسي أحد أقطاب المسيرة العلمية اليمنية وفطاحلتها الكبار وأركانها العظام وهو عالم محقق ونبراس مدقق .. ربما لا يعرفه الكثير من الناس وحتى من طلبة العلم لأنه كان قليل الظهور فربما ولدواعٍ من البلاء خاصة آثر الإنكفاء والإحتجاب ولم يكن يظهر إلا نادراً بالصدفة أو في مناسبات قليلة فيُشار إليه بالبنان !! ولم يظهر بشكل كبير ولافت سوى في السنوات الأخيرة وتحديداً الثلاث منها !!
رحل العلامة الكبسي رحمه الله تاركاً وطنه وأهله وطلابه ومحبيه في هذه الظروف التي ما أحوجهم فيها إليه !! رحل رضوان الله عليه تاركاً خلفه ثروة كبيرة من العلوم الشرعية ومن طلابها الذين تتلمذوا على يديه في فترة سابقة وحتى في فترة الإنكفاء والإعتزال لم يغلق باب داره في وجوه الراغبين في طلب العلم ومريديه .
لا أبالغ حين أقول بأنه من أكثر العلماء هدوءً واتزاناً وسكينة ووقاراً حتى أنّ من كان يسمع عنه حين يلقاه لا يعرفه فهدوءُه العجيب ومظهره البسيط لا يوحيان للشخص بأنه فلان !!
إنه رفيق العمالقة في زمن العملقة الشرعية والسياسية : الدكتور الشهيد أحمد شرف الدين والعلامة الزاهد علي بن أحمد الشامي والدكتور الشهيد المرتضى المحطوري وهو أيضاً تلميذ المولى الحجة محمد بن محمد المنصور ويده اليمنى .. وإن من أجمل ما كان يميزه الإنفتاح والمتابعة وقد كنت أعتبره نسخة مصغرة من سيدي العلامة الحجة محمد المنصور .
معرفتي به :
بدأت معرفتي بالعلامة الكبسي من خلال القاضي العلامة محمد بن عبدالله الشرعي في العام 1997م تقريباً وكان له فضل في دعم سفرية علاجي الأولى للأردن وخلال تواجدي للتدريس بالجامع الكبير بصنعاء كان يزور الجامع من فترة لأخرى , وفيه يلتقي بزملائه وطلابه وأصدقائه وكان دافعه الأساس يكمن في عشقه للمكان الروحاني والعلمي ورياض التعليم في حلقاته وبين جنباته .
كان يطوف الجامع وحين يصل لحلقة تدريسي يقف في جانب منها وأحياناً خلف الدعامة التي أستند عليها يستمع حتى أُنهي الدرس وقد قال لي ذات مرة : سبحان الله والتلاوة عندك , لا فيها تكلُّف ولا مطمطة ولا شيء وهذا بيعجبني قوي .
وبعد فترة طلب مني تسجيل شريط من تلاوة سور : الأنعام ويس والواقعة وتبارك وقد لبَّيت طلبه وفعلت له ما أراد .
إنني لَمَدِيْنٌ له بالفضل ففي بداية سُكناي صنعاء وكانت ظروفي متعسرة قيَّضه الله تعالى لي في ظرف ما كان أحوجني إليه وقد تفاجأت به في الجامع يطلب مني مرافقته لمنزله وهناك طرح عليَّ عرضاً يتضمن دعماً شهرياً ككفالة عالمٍ أو طالب علم ( لم أكن لأتحدث عن هذا في حياته لكنه صار من الواجب الحديث عن فضائله ومناقبه بعد وفاته ) وقد قرر لي مصروفاً شهرياً وأعطاني يومها حق أربعة أشهر مقدماً واستمرت حوالي أربع سنوات .
وذات مرة استسمحني بهدوءٍ ورفق طالباً مني التكرم بالحضور لمنزله يومين في الأسبوع لتدريس أولاده القرآن والفقه وقد فعلت ذلك والحمدلله .
إن رحيله في الأيام العادية يمثل خسارة فادحة للوطن والأمة وإن رحيله في هذه الظروف يُعد كارثة عليهما فما أحوج الوطن والأمة للعلماء العاملين والرجال الحكماء العقلاء الصادقين .
يجوز لي الإعتراف بأنه نال من التهميش والإقصاء الكثير في السابق واللاحق ولا بأس بانهيال وتسابق بيانات النعي فنحن شيعة أموات ولا شك !!
السلام عليك يا سيدي في الأولين والآخرين وفي الملأ الأعلى إلى يوم الدين .. طيَّب الله ثراك وقدَّس روحك وجبر مصاب أهلك وأولادك ومحبيك والوطن والأمة ونسأله اللقاء بك في مستقر رحمته ودار كرامته .
ولدك الحزين / الحسين بن أحمد السراجي شفاه الله .
الإثنين 14 صفر 1438هـ الموافق 14 نوفمبر 2016م .
--
من حائط الكاتب على الفيسبوك