جديدنا

الرسول الرحمة بين آيات القرآن ومرويات أهل العدوان* .. إعداد/ رضوان عبدالله المحيا - نائب رئيس المجلس الشافعي الإسلامي

الرسول الرحمة بين آيات القرآن ومرويات أهل العدوان* .. إعداد/ رضوان عبدالله المحيا - نائب رئيس المجلس الشافعي الإسلامي

بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين.. والحمد لله الذي أرسل نبيه محمداً صلى الله عليه وآله وسلم رحمة للعالمين، وأظهر به الحق المبين، وأقام به الحجة على خلقه أجمعين.

وبعد:-

فإننا في هذه المشاركة المتواضعة نحاوِل جاهدين أن نخوض في بحرٍ متلاطمِ الأمواج لنُشْرِع في قارب صغير باحثين عن مكامن الدرر فيه، وهو بحر الصفات المحمدية التي كانت ترجمة حقيقية لكتاب الله، وخلاصة لصفات أنبياء الله (أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ).

وهذه الشمائل التي كان عليها الرسول القدوة صلى الله عليه وآله وسلم هي خلاصة أخلاق البشرية التي وصفها الله لنا أيما وصف بقوله: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)، وهذه شهادة إلهية تبرز لنا مقدار عظمة أخلاق الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، حيث شهد لها العظيم سبحانه وتعالى بهذه العظمة.

وعليه: فإننا سنتطرق في مادتنا هذه للأمور التالية:-

1) وجوب معرفة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم.

2) الرسول الرحمة صلى الله عليه وآله وسلم في كتاب الله.

3) الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم في الروايات الحديثية والتأريخية.

أولاً:- وجوب معرفة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم

- يقول الله تعالى: (أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ).

- ويقول أيضاً: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ).

- ويقول تعالى: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا).

فنرى أن الله تعالى ذمَّ قوماً لم يعرفوا رسولهم، حيث تنكَّروا له، وعمِلوا جاهدين على مخالفته، ومناهضة دعوته، فقريش كانت يومها تنظر إلى يتيم أبي طالب، وليس إلى رسول الله رب العالمين، وتبِعها في ذلك كلُّ من كذَّب به وصدَّ عن دعوته.

ثم إننا نجد في كتاب الله ما يشدُّنا إلى اتباع النبي الأسوة، والنبي القدوة، والاقتداء والتأسي يقتضيان معرفةَ وتتبعاً وإحاطة بهذا الرسول القدوة صلى الله عليه وآله وسلم، حيث جعله الله النموذج الأرقى لبني البشر، له من الأخلاق أكملها وأعلاها، ومن الصفات أسماها وأزكاها، فما من صاحبِ أخلاقٍ ومكارمَ إلا وهذا الرسول الكريم سابقُه، وما من أكرومةٍ في هذا العالَم إلاَّ ولرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم له فيها القدح المعلى؛ لأن العناية الإلهية ألفَتْه يتيماً، فآواه الله، وعلَّمه ما لم يكن يعلم، وحفظه شاباً وكهلاً، وأنزل عليه الكتاب والحكمة حين بعثه رسولاً نبياً، فحصَّن كلَّ ما تلفَّظ به، فقال: (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى . إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى)، وزكى قلبه، فقال: (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى)، وأوجب طاعته وجعلها عين طاعته، فقال: (مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ)، وجعل مبايعته عين مبايعته، فقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ).

ولو تأملنا إلى قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً . وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً) لرأينا تلك الخصائص التي منَّ الله بها على نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم؛ كونه شهيداً على هذه الأمة، مبشرَها ومنذِرَها وداعيَها إلى الله، وحجة الله القائمة، وبينته الواضحة وضوح الشمس في رابعة النهار، والتي أشار إليها بقوله تعالى: (وَسِرَاجاً مُّنِيراً)، فلا تعمى عن معرفة هذه الحقيقة المحمدية، والمحجة البيضاء الساطعة، إلاَّ نفسٌ طمَسَ اللهُ بصيرتَها، وتاهت عن رشدِها، وتمادت في غيِّها.

ثانياً: الرسول الرحمة في آيات القرآن الكريم

عندما نستطلع النص القرآني في وصف الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم نجد أن الله سبحانه وتعالى قد أشار إلى هذا القلب الكبير الذي وسِع البشريةَ كلَّها رحمةً، فقال سبحانه وتعالى: (وما أرسلناك إلاَّ رحمة للعالمين)، ولأحدٍ أن يقول: كيف وصلت رحمة هذا النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى العالمين، وهل بإمكانها استيعابهم؟.

هذا ما يمكن أن نجيب عليه من خلال دراسة الفترة التي وصل فيها هذا النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى ذلك الوجود، حيث كان الناس في حالةِ طغيانٍ بلغ فيها الظلم كلَّ مبلغ، يقتل بعضُهم بعضاً، ويقتاتون من قتال بعضِهم لبعض، ويدفنون بناتهم أحياءً خشيةَ العار، بل وإن حقوق الضعفاء فيهم مصادَرة، ويمارس المستكبرون فيها أشدَّ أنواع البطش والقهر للطبقات المستضعفة، وسواء كان ذلك في قبائل عرب الصحراء، وأم القرى، أم في بلاد فارس والروم، كانت الحالة واحدة من حيث مدى الظلم والاستبداد والانحراف السلوكي والقيمي لهذه المجتمعات.

فكانت رحمةُ الله سبحانه وتعالى هي قدومَ هذا النبي المخلِّص صلى الله عليه وآله وسلم، وكل ما نراه اليوم، وقبل اليوم إلى زمن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم من هدىً وصلاحٍ واستقرار، ولو نسبياً هو من بركة هذا النبي الرحمة صلى الله عليه وآله وسلم، بل لا نبالِغ إذا قلنا: إن هذه الطفرة العلمية في شتى أنواعِ العلوم والتكنولوجيا هي من بركات رسولنا الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، فقد أوتِيَتْ هذه الأمةُ من الإمكانيات والعلوم ما فاقت به على أمَمٍ كانت قبلها، حيث تجاوزَتْ ما وصل إليه قومُ عادٍ الذين قالوا: من أشدُّ منا قوة، وكانوا ينحتون من الجبال بيوتاً فارهين، بل وفاقت فراعنة مصر الذين بنوا الأهرام، وغيرَهم، حيث أن السؤال الذي يطْرَح نفسَه: لماذا مع قوةِ أولئك القوم وجِدِّهِمْ واجْتِهَادِهم لم يصلوا إلى ما وصلت إليه أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم؟.

لا شك أنها بركة من بركاته، وانعكاسٌ واضحٌ للرحمة التي أُرْسِلَ بها صلى الله عليه وآله وسلم، ولا يتنافى ذلك مع ما نراه أن هذا التطور العلمي جاء بأيادٍ غير إسلامية؛ لأن كل ذلك كان يوماً ما في متناوَل المسلمين، بل هم من أسسوا بنيانه؛ لكنهم تخلَّوا عنه، ودخلوا في صراعاتٍ عقيمةٍ لا زالت آثارُها إلى اليوم، حتى أضاعوا تاريخَهم وحضارتَهم، وأدرك المجدَ غيرُهم.

كل ذلك فيما يخص الرحمة العامة للعالمين، وأما الرحمة الخاصة التي قال الله عنها: (بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ)، فقد تجلَّت واضحة في تعامله صلى الله عليه وآله وسلم مع الأمة حال حياته من كرمِ الشمائل، وطيبِ الأخلاق، وحسنِ التعامل، حيث حكى الله تعالى عنها بقوله: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ).

فبقلبه الكبير والممتلئ عطفاً ورحمة استطاع أن يؤلِّفَ بين عربِ الصحراء الأجلاف، ويكبحَ جماحَهم ويهديَهم إلى صراط الله تعالى في تعامل راقٍ، وأدبٍ جمٍ، حتى أنه استطاع أن يستميل قلوبَ وعقولَ من كانوا في الطرف الآخَر، حين خَبِرُوا معاملته، وسَبَرُوا أخلاقه، وسعة صدره، فأصبحوا من الهائمين حباً له، والمطيعين لأمره، والمجاهدين بين يديه، كل ذلك حينما رأوا إنساناً آخر، قلبه مفعم بالرحمة والحب والحنان، فرأوه النبي الرحيم في بيته، وبين أهله، ومع خدمه ومواليه، وبين صحبه وأنصاره، في إقامته وأسفاره، في سِلْمِه وحربه.

حيث رأوا رجلاً لا يُكافئ بالسيئة السيئة، ولا يحقِد، ولا يغدِر، ولا يقسو، ولا يعنُف، ليس فظاً ولا غليظاً، ولا منفِّراً، ولا متشدِّداً، سَمْحَاً هدياً، بشوشاً، كريماً، مسامحاً، يجمَع ولا يفرِّق، ويرقِّع ولا يمزِّق، ينْزِل الناس منازلهم، ويلتمس للمخطئين أعذارهم، حريصا كلَّ الحرص أن يدخُل الناسُ كافةً في دين الله، حتى أنه كاد أن يُهْلِك نفسَه حرصاً على هداية أمته، حتى أن الله تعالى عاتبه على هذا التفاني بقوله: (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً).

بل والأكثر من ذلك أن نرى هذا الرسول العظيم صلى الله عليه وآله وسلم الذي حاصره قومه في شعب أبي طالب، وأخرجوه من بلده، وتآمروا على قتله، وعذَّبوا أتباعه، وحاربوه، وآذوه، وسبوه، لم يكن يوماً انتقامياً، أو داعية ثأر، بل نراه عندما أظفره الله عليهم قال: "لا تثريب عليكم اليوم .. اذهبوا فأنتم الطلقاء"، رغم أنه كان يوماً ما في المدينة قادراً على حصار مكة، فطرق التجارة كانت عبر المدينة، ناهيك أن ثمامة بن أثال الحنفي رجل من بني حنيفة منع الحبوب على قريش بعد دخوله في الإسلام، لكن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لم يوافِقْه على ذلك، ولم يرض أن يحاصر قريشاً في أقواتها، ففكَّ عليهم الحصار، وأمر ثمامة بن أثال بإعادة ما كان يرسِل إلى قريش من حبوب وطعام.

ثالثاً: الرسول الأعظم في الروايات الحديثية والتاريخية

لم يتركِ الله عز وجل لأحدٍ ما أن يقرِّر في شخصية النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، بل تولّى ذلك بنفسه في آياته الواضحات سواء عن بيان عظمة أخلاقه، ورحمة قلبه، وحرصه على هداية أمته، أو عن تعليم الأمة كيف التعامل معه، وعدم التقديم بين يديه، وعدم رفع الصوت بحضرته، وانتظاره حتى يخرج من حجراته، والتصدق قبل مناجاته، إضافة إلى أنه فرض طاعته وحبه ونصرته واتباعه، وجعل ذلك من جنس عبادة الله وحده، ومما لا يتم الإيمان إلاَّ به.

لكننا في المقابل نجد أن هناك في المعسكر المعادي لهذا الدين من الذين حاولوا حرْفَ مسارِه المستقيم عبر التشويه الممنهَج، والذي لم يُسْتَثْنَ حتى قائد هذه الأمة، ومعلمها الأول، الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم فنالوا منه أيّما نيل، وتطاولوا على مقاومه الأرفع إيّما تطاول، وإن كًتُبَ التأريخ والحديث لممتلئة بهذا الانحراف الخطير، فتراهم مرة يقدِّمون الرسول صلى الله عليه وآله وسلم على أنه في ساعة نزول الوحي عليه لأول مرة كان لا يدري ما أُنزل عليه، ومن الذي أرسل إليه، وأنه رجع خائفاً مرتبِكاً ليس عنده أدنى علم بحقيقة ما وقع له في الغار، ويزعمون أن الذي كشف له الحقيقة هو رجل كان يدين بدين أهل الكتاب، فأخبره بأن الذي نزل عليه هو الناموس الذي كان ينزِل على موسى، مع أنهم يروون أحاديث في أماكن أخرى مفادها: أن الوحي قد سبق هذه الواقعة بستة أشهرٍ، وكان رؤيا يراها في نومه صلى الله عليه وآله وسلم، فمن أين لهم بعد ذلك أنه لم يدْرِ ما وقع له عند نزول جبريل عليه السلام، وهل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بحاجة إلى أحد أهل الكتاب كي يوضِّح له الأمر، وأنّى لهم أن يثبتوا أن ورقة بن نوفل كان يهودياً أو نصرانياً وهو من قوم لم يأتهم من نذير، فكيف وصل إليه علم أهل الكتاب؟ أو كيف تدين بديانتهم؟ ولو ثبت ذلك ما كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بحاجة إلى شيء من ذلك (وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً).

وتستمر المؤامرة مرة أخرى بحياكةِ أخبارٍ نسبوها في مرحلة انقطاع الوحي، فقالوا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن حالته ساءت جداً؛ لأجل ذلك حتى أنه حاول أن يرميَ بنفسه من شاهق ليأتيَ بعضُ المتصيِّدين لأخطاء تراثنا ويقولون: إن أولَ من قام بمحاولة انتحارٍ هو نبينا الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم.

ونسي هؤلاء وأولئك أنهم يتطاولون على مقامِ أعظمِ رجلٍ عرفته الإنسانية، لم ولن تجد البشرية قبله ولا بعده كمالاً وإيماناً، وثقة بربه، وتصديقاً بوعده، فلم يكن الوحي عليه مجرد صدفة، بل ولم يهزَّ انقطاعُه لفترة وجيزة من ثقته بوعد ربه وزن مثقال ذرة.

وأما محاولتهم النيل من شخصيته صلى الله عليه وآله وسلم، ومن قراراته ومواقفه، فإنك إن تطالع الكثير من أخبارِ القوم تجدْ أنهم قدّموه للأمة شخصية ضعيفة مرتبكة ينقصها الحزم تارة، والعلم تارة أخرى.

فكم من حادثةٍ هضموا فيها دور الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ليضعوا بها فضائل لغيره على حسابه، ولو أدّى ذلك إلى الانتقاص من مقامه الأعلى، فصوروا لنا أموراً كثيرة قرَّر فيها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم شيئاً، وكان لأحد الحاضرين رأيٌ آخَر، فكان الصواب في غير ما قرره النبي صلى الله عليه وآله وسلم -بحسب زعمهم- وأن الله أنزل في تأييد هذا الآخر آياتٍ تُتْلَى تقرِّرُ خلافَ ما أراده النبي صلى الله عليه وآله وسلم (سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ).

وعلى مثل هذا المنوال تراهم يسردون قصصاً وروايات يزعمون فيها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن موفَّقاً أو مصيباً في قراره، أو حكمه، بل كان محتاجاً إلى تسديد شخص آخر، أو على أنه ليس لديه الخبرة الكافية في تلك الأمور، ثم إنهم يحاولون التهرُّب من نتائج هذا التوصيف بزعمهم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يشاوِر أصحابه ليس إلاَّ، ولم تكن ذريعة المشورة التي حاولوا الاعتذار بها إلاَّ مغالطة مجانبة للتوفيق والصواب، إن لم تكن افتراءً وبهتاناً.

وليتهم اقتصروا في كل ذلك بقولهم: إنه كان يشاورهم ويتألُّفهم، فإننا رأينا هُواة المذاهب، ومُناصري الأشخاص، وأصحابَ الأهواء، تلقَّوا كلَّ ذلك على أنها فضائل لرموزهم الذين زعموا أنهم سدَّدوا أو صوّبوا أعمال الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم أو قراراته، فهؤلاء لم يَعْرِفوا نبيهم، ولم يقدّروه حق قدره، ولم ينزلوه المنزلة التي أنزله الله إياها، فبكل أسفٍ تجد رواياتهم التي ملأت الكتب حول أسرى غزوة بدر، وتأبير النخل، والصلاة على المنافقين، والصلح مع المشركين في الحديبية وغيرها، مما لا يتسع المجال لذكره في هذه المشاركة، فإن كل ذلك أغرى أعداء الإسلام من خلفاء بني أمية وولاتهم إلى التطاول في أكثر من ذلك، حتى أن الحجاج بن يوسف –لعنه الله- قال على المنبر: "إن خليفة المرء خير من رسوله"، وأنهم لم يقولوا ذلك حتى علَّموا الناس شخصية أخرى للرسول صلى الله عليه وآله وسلم.

ولا عجب من أمثال هؤلاء أن يرووا للأجيال أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رأى امرأة فأعجبته، ثم أتى أهله وقال: "إذا رأى أحدُكم امرأة فأعجبته فليأت أهله، فإن الذي معها مثل الذي معها"، في إشارة آثمة إلى أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ينظر إلى المرأة الأجنبية وتعجبه، مخالفاً لأمر الله تعالى غيْرَ محترس عن يسير الذنوب التي يحترس منها أقل منه مقاماً، وأدنى منه رتبة.

وهاهم يتجاوزون كلَّ الخطوط الحمراء ويؤذون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ويقولون: إنه كان يطوف على تسع نسوة في غسلٍ واحد، وهذه الخصوصية التي لا تصح عقلاً أن تروَى إلاَّ عنه صلى الله عليه وآله وسلم، وبقوله هو؛ لأنه الذي يعْرِف حقيقة الأمر دون غيره، حتى إحدى أمهات المؤمنين لو قالت ذلك عنه لكان ذلك جزافاً، وهكذا حاولوا أن يُظْهِروا شخصية نبينا صلوات الله عليه وعلى آله على أنه رجل شهواني، وأعتذر من قساوة هذا المعنى الذي أوصلنا إليه هؤلاء، حتى أننا رأينا رسوماً كاريكاتورية كما في الدنمارك، وأفلاماً إباحية كما في أمريكا تسيء إلى جناب الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، مستلهمة قبحها وبشاعتها من مصادرَ حديثية ورواياتٍ تاريخية.. والله المستعان.

ولقد كان لأهل التطرف النصيب الأكبر في نسبة أعمالهم الوحشية بحق الإنسانية من قتلٍ وذبحٍ وسبيٍ للنساء والأطفال، حيث أنهم وجدوا ما وضعه أسلافهم الأمويون من دسائس تشرِّع لهم الإجرام بحق هذه الأمة، بل إنهم في كثير من ذلك نسبوا هذه الأعمال إلى نبي الرحمة الذي أرسله الله رحمة للعالمين، فرووا عنه: أنه قتل من قتلوا راعي الإبل صبراً بعد أن سمَل عيونَهم وتركهم في العراء يموتون صبراً أياماً، ويروون عنه: أنه توعّد من يتركون صلاة الجماعة في المسجد بأنه سيحرِّق عليهم بيوتهم بالنار.

وروايتهم عنه أنه قال: "إنما بعثت بالسيف"، وقوله: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله... إلخ"، حيث أنهم أساءوا فَهْمَ حتى ما صح من الأخبار، وشرعوا لأنفسهم القتلَ باسم الله، وباسم رسوله صلى الله عليه وآله وسلم.

بل إنهم يروون أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أقرَّ الاغتيالات التي حدثت لكل من أبي رافع وكعب بن الأشرف، حيث قُتل أحدهما في بيته بين أهله، والآخر في باب منزله بعد أن دعاه بعض الأصدقاء، في مخالفة واضحة لمبادئ وقيم الإسلام الذي جعل للحرب والقتال أصولاً لا يتجاوزها مسلم.

وكل هذه الإساءات والافتراءات أنجبت لنا في هذا العصر القوى التكفيرية والانغماسية الداعشية التي يدعمها نظام آل سعود الوهابي المجرم الذي تخلّى عن كل القيم والمبادئ الإنسانية، وخلع رِبقة الإسلام من عنقه، ووالى أعداءَ الله من اليهود، بل وهو إحدى صنائعهم في المنطقة، وأن عدوانه الغاشم على بلدنا وأمتنا يُشرعِنُه له خوارجُ العصر الذين استغلوا هذه الروايات التي أحدثها نظام بني أمية الظالم، ونسبوها زوراً وبهتاناً إلى سيد هذه الملة، وإمام الأمة من غير ما وازعٍ أو رادعٍ..

(وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ)..

فعذراً يا سيدي يا رسول الله..

يا أكمل إنسان..

وأطهر إنسان..

وأشرف إنسان..

(وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ).

خلاصة وتوصيات

تعرضنا في مشاركتنا هذه إلى أمور مهمة يجب علينا كمسلمين أن نعرفها عن نبينا الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، وهي أن الله تعالى قد تولى وصْفَه صلى الله عليه وآله وسلم وتزكيته وتربيته، فوصفه بأشرف الخصال، وأفضل الشمائل، وعلَّم أمتَه الأدبَ معه في مناجاتهم، ومخاطبتهم له، وحضورِهم في بيته، والجلوسِ بين يديه، والتسليمِ له في كل حال، وعدمِ التقديم بين يديه، وعدمِ عصيانِ أوامره، وحبِّه دون النفس والأهل والولد، كما حثَّ على تعظيمه والصلاة والسلام عليه بعد أن ناداه بأشرف الألقاب بقوله: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ) (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ) دون غيره من الأنبياء والرسل، ثم بيّن للأمة أن رسولها رحمة للعالمين، وإمامٌ للمتقين، وولي المؤمنين.. وسع الناس بخلقه، وجمعهم بحكمته ورحمته، وأنه كان على هدايتهم حريصاً، حرصاً كاد ليُهْلِك فيه نفسَه، وتحمَّل في ذلك فوق طاقته، فعاتبه الله أن يشفِقَ على نفسه، وأن يُصَبِّر نفسه مع الذين يدعون ربَّهم بالغداة والعشي يريدون وجهه، فجلس بينهم واحداً منهم، يتفقَّد أحوالَهم، ويحسِن إليهم، ويوصِل هدى الله إليهم، فهناك كان يزكيهم، ويُصلِّي عليهم، ويُعلِّمهم الكتاب والحكمة، فكان لهم نعم القدوة والأسوة بأخلاقه العظيمة، ونعوتِه الكريمة التي ما حواها غيره إنسان، فهو الذي اختصه الله لرسالته ليكون خاتماً لأنبيائه وإماماً لأوليائه.

فهل بعد كل ما وصف الله وخصّ لنبيه صلى الله عليه وآله يأتي إلينا من لم يعرفوا نبيهم، ولم يقدروه حقَّ قدره، فيقولوا جزافاً بغير علم، فينسبوا إلى نبيهم ما لا يليق به من الأوصاف، حتى جعلوه دون مشائخهم وأمرائهم، فقالوا عنه: إنه سُحِر، حتى كان يُخَيَّل إليه أنه فعل الشي وما فعل، موافقين بذلك مقولة الكفار الظالمين له صلى الله عليه وآله وسلم لما قالوا: (إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً).

ثم جعلوا من نزول الوحي عليه قصةً أشبه بخرافة، فزعموا أنه لم يعرف الروح الأمين، واحتاج إلى بعض الكهان ليفسر لهم الأمر، ولم يقفوا عند هذا، بل اتهموه بمحاولة الانتحار من شاهِقِ جبلٍ عندما فتر الوحي.

ويذكر لنا التاريخ أن قوماً عكفوا على مدح رموزهم من صحْب وأتباع وأئمة مذاهب، فاختلقوا الفضائل لهم، ونسجوا روايات جعلت من النبي صلى الله عليه وآله شخصاً تابعاً ليس له رأي أو تجربة أو عناية أو عصمة، وتلقاها الأجيال عن الأجيال من غير ما رويَّةٍ أو تثبُّتٍ أو عرضِ تلك النصوص على كتاب الله تعالى المحفوظ من التغيير والتحريف، والذي يهدي به اللهُ مَنْ اتَّبع رضوانه سبل السلام.

وحتى أولئك المتطرفون لم يتورّع علماؤهم الذين كان سبباً في صناعتهم بتلك الصورة القاتمة المُوشّاة بالدماء والأشلاء، فجعلوا أعمال الذبح والسحل التي يقومون بها جزءاً من دين الإسلام، ومن أخلاق نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وأنه جاء بالسيف وبالقتل، وأنه قتل قوماً صبراً، وأمر باغتيال أحدهم بين أهله ونسائه، وأنه هَمَّ بأن يحرِّق بيوتاً على أهلها، ووضعوا في رجم الزاني آية قالوا إنها كانت تتلى، وتوسَّعوا في قتلِ المرتد حتى قتلوا مخالفيهم من أهل القبلة، واختلطت مع كل ذلك سنة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بسنة الحجّاج، وسنة معاوية ومروان، مَن سفكوا دماء الرعيل الأول في الإسلام، ولا حول ولا قوة إلاَّ بالله.

وعليه فإننا نختم مقالتنا هذه بعدة توصيات نوجزها فيما يلي:-

١- التعريف بالنبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم من خلال القران الكريم كمصدرٍ رئيسٍ.

٢- كل ما ورد في الأحاديث من نصوصٍ تسيء إلى الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم يجب على العلماء الردُّ عليها، وبيانُ زيفها، وأنها معارِضة لكتاب الله تعالى .

٣- الحرص على تعليم الأجيال شخصية الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم في أبهى وأعظم صورة، وتضمينها مناهجَنا الدراسية في كل المراحل والمستويات.

٤- العمل على فضح كل قوى التكفير والعدوان التي تحاوِل نسبة إجرامها وعدوانها وأعمال الذبح والسحل والقتل إلى ديننا ونبينا صلى الله عليه وآله وسلم.

٥- الإكثار من الفعاليات والمهرجانات والاحتفالات والبرامج والبحوث والرسائل التي تتضمَّن سيرة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، ولاسيما في ربيع مولده، وشهرِ قدومِه إلى هذا العالم، وأنه يومُ شرفٍ لكل الإنسانية.

هذا وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله الطاهرين وصحبه المنتجبين.. والحمد لله رب العالمين.

--

*ورقة عمل مقدمة في ندوة (أشداء على الكفار رحماء بينهم) في المولد النبوي 1438هـ