جديدنا

من وحي الجبهات (1-3) .. بقلم / حمود عبدالله الأهنومي

من وحي الجبهات .. (1-3) .. بقلم/ حمود عبدالله الأهنومي

باتت الجبهات هي القِبلةَ المفضَّلةَ لدى أحرار هذا الشعب اليمني في العيد، وبات شعار (أعيادنا جبهاتنا) أصدق شعار يجد نفسه على أرض الواقع، فأفواج الزوار إلى الجبهات كانت في هذا العيد أكثرَ من المتوقَّع، والعيد في البيت أصبح بلا طعم ولا رائحة؛ لهذا اكتظّت الجبهات بالزوار والمغامرين والمجاهدين رغم الأخطار التي كانت تترقَّبهم لحظة بلحظة، وبعضهم نال الشهادة، وبعضهم قصفت سيارته.

في سلسلة حلقات، هذه أول حلقة منها أكتب ما شاهدتُه أو استوحيتُه من خلال معايدتي للأبطال المجاهدين في جبهة حرض والحثيرة وميدي والحديدة في عيد الفطر الكريم.

إلى تعز أم إلى ميدي؟

بعد صلاة عيد الفطر كنتُ ضمن فريق من العلماء وقيادات وكوادر أنصار الله نعايد رجال النقاط الأمنية داخل صنعاء ومحيطها، وكانت السعادة الغامرة والشعور بالأمة الواحدة وأن الجميع في حالة جهوزية لأية حالة جهادية هو ما يمكن لأي ملاحِظ أن يلاحظه من مظاهر عديدة رأيتها أثناء تلك الزيارة، حيث لم يكن الوفد يصل إلى النقطة حتى يصطف رجال الأمن أولئك وتعلو الفرحة على وجوههم الساهرة وعيونهم اليقظة، مع مزيد من الاستبشار والشعور بالأمة الواحدة وأنهم باتوا يقومون بمهمتهم من منطلق الشعور بالواجب الجهادي والوطني وليس فقط لإسقاط العهدة وتنفيذ الأوامر.

في طريق عودتنا ذلك اليوم همس في أذني سماحة السيد العلامة الهاشمي رئيس المجلس الزيدي الإسلامي قائلا: غدا ستكون الزيارة لجبهة صرواح، فقلت: إن شاء الله، غير أن تنسيقا تغيَّر فإذا به يتصل بي يطلب مني التوجه إلى زيارة بعض جبهات تعز، وأن عليَّ أن أكون ضمن فريق من 4 إلى 5 أشخاص، فلبَّيْتُ الطلب وألقيتُ عليه مقترحا برغبتي العارمة في زيارة أبنائنا وطلابنا وإخواننا في جبهة حرض وميدي، وسألتُه عما إذا يمكن تحويل وِجهتنا إلى هناك؟ فوعدني بدراسة الأمر.

السيارة .. كأنما نشطت من عقال

جاء الإذن بالسفر إلى جبهة حرض وميدي، وكان نصاب رحلتنا قد اكتمل بالأستاذ أحمد الأهنومي والأستاذ عبدالكريم الجوزي والأستاذ أكرم قاطة، ومنا من لم يسبق له أية زيارة للجبهات، بل كانت هذه الزيارة أولَ زيارة له، ومن دون شك فقد كان القلق واعتراضات الآباء والأمهات الذين علموا بالزيارة من الإعاقات التي تمَّ تجاوزها من قبل أفراد الوفد.

أخذنا للسيارة احتياجاتِها، وأصلحنا فيها ما لا يحتمِل السفرَ الطويلَ والشاقَّ، وكان جاري الكريم قد زوَّدني عارية بحقيبة فيها خازن كهرباء وبنشرٌ يدوي ومولِّد كهرباء، وبذلك حسِبت أنه قدَّم لي معروفا لا تنساه الأيام.

قدْتُ السيارة التي كانت رحلتها اختبارا لها بذهاب علتها التي كانت تستوقفنا كثيرا في السفر، فكانت في رحلتها هذه إلى أرض الأبطال كأنما نشِطَت من عقال، وكان لزاما علينا شكر المهندس محمد السراجي، الذي تنبَّه لمشكلتها.

في مدينة حجة .. نموذج المجاهد الأصيل

بتنا في مدينة حجة في منزل الصنو علي، الذي لم نجده للأسف؛ إذ كان قد غادر ليلة العيد أيضا إلى جبهة ميدي، ولكن كان بيته متَّسِعا لنا رغم غيابه، ونلنا من الإكرام واللطف من زملائه ما غمرنا تكريما وتشريفا.

سمرنا مع بعض المجاهدين نذكر ما منَّ الله به على اليمنيين من خير جزيل، وما بلَّغهم الله إليه من نصر وعزة وتمكين، وبتنا نتبادل أطراف البشارات بالنصر القريب، ونشكر الله أن جعل أحرار شعبنا على هذا النحو من الانطلاق مع الله في مواجهة أولياء اليهود والنصارى المعتدين المحاربين.

في طريق الزيارة لا تعدم هنا أو هناك أخا أو زميلا يضن بك عن الوقوع في الخطر، وتجتاحه سلسلة من التساؤلات والقلق، وقد يقلق أحدنا على غيره ولكنه ينسى نفسه، لكن الحقيقة هي ما تنهي أي جدل أو حوار نفسي، وكانت الحقيقة هي أن اليمنيين قد عشقوا جبهات العزة والشرف، منذ باتت اختبارا للرجولة، ومقياسا للفضيلة، وترمومترا للحرية.

في مدينة حجة قد تصادف مثل المجاهد العظيم أبي عبدالله الحاج من وشحة، الذي يتدفَّق حواليك حماسا وثقافة، ويضمخ سمعك بنصوص الشهيد القائد ويوظفها في الأحداث كما لو أنه من أعظم ثقافيي المسيرة القرآنية ومن نوابغ متحدِّثيها .. على الرغم من أنه يعمل في الجانب الأمني.

حمِدْتُ الرجلَ في نفسي لأمانته وإخلاصه ودينه الصادق، وعلِمْتُ أن هذه المسيرة على موعدٍ مع النصر المؤزّر؛ لأن مشروعها يحب الرجال الصالحين، ويُفْسِح لهم المجال، ولأن أدبياتِها وثقافتَها على عداءٍ مع ثقافة (حمران العيون) في الاختلاس والنهب، حتى ولو تسلَّل إلى مواقعِها ومراكزِها كثيرٌ من أولئك فالأيام كفيلة بمحاصرته وطرده إلى حيث أتى.

في الصباح زودنا المجاهدون ببعض الملابس العسكرية المناسبة للجبهة، ولكن بعضا من رفقتنا لم تطب نفسه أن يأخذها حتى سلَّم ثمنها، فقيل له: الجبهة أمامك، أنفِقْ ثمنها هناك.

قضينا حق الزيارة والمعايدة لإحدى الخالات هناك، وإذا بي أفتقد أحد أولادها الذي لم يتجاوز سنه السبعة عشر ربيعا، فقد عاد إلى الجبهة، وهو الذي سبق له أن ذهب إليها ورابط بها متجاوزا كل توسلات أمه وأبيه وكل التوصيات منا جميعا، إذ طالما أخبرناه أن جبهة أمثاله في مواصلة تعلمهم.

لكن تلك التوصيات لم تصمد طويلا عنده، فترك كل شيء وراء ظهره، وعاد إلى الجبهة، ولم نملك مع أمه غير الحوقلة، والدعاء له بالحفظ، والإيقان أن هناك سرا عجيبا يستهوي الطاهرين من هذا الجيل الجديد ويسوقهم سوقا إلى حياة الجهاد والمرابطة، ورغم منع قادة المسيرة لظاهرة التحاق صغار السن بالجبهات، إلا أن هناك منهم من يتسلل مرات عديدة إلى الجبهات، فلا يملكون إلا أن يبعدوه عن الخطوط الأمامية، وأن يكلفوه بأعمالٍ غير خطرة، وفي أماكن هي آمَنُ ما تكون في الجبهة.

من عقبة الفساد في حجة .. إلى عقبة العدوان في حرض

كان أول ما صادفنا هو نقطة النصيرية في حجة، وكان يبدو من وجوهنا لكثير من النقاط أنها مألوفة لديهم؛ لهذا كنا نؤمر بمواصلة السير، ومع ذلك فقد كانت لدينا بطاقة خاصة، أرى أن لا داعي لتوضيح طبيعتها، كانت بمثابة جواز المرور السحري في كل النقاط وعلى طول الطريق التي مررنا بها في رحلتنا الطويلة.

كشفت لنا عقبة حجة المنتهية بمنطقة الأمان ضحالة ضمير المسؤولين السابقين الذين استسلموا لثقافة الفيد والغنيمة، وأن ثقافة (أحمر العين) صاحب اليد الطويلة التي لا تبقي ولا تذر لا من مال الدولة ولا من مال المواطنين نقيرا ولا قطميرا ثقافة مغلوطة مئة في المئة.

 (منجزات بلادي) للأسف لم تكن سوى مساحيق رديئة يُطْلَى بها وجه الوطن المجدور بالظلم والغبن في بضع شهور قبيل موسم الانتخابات ثم إذا جاء المطر كشف سوءة دعاواهم، وأظهر عوار مشاريعهم وحجم وطنيتهم.

أعلى تلك العقبة كانت رصدتها عبارة عن رأس أصلع، انحلق (زفلتها) بفعل الأمطار، التي تعني سوءا في التخطيط والتنفيذ وخيانة في مقاييس جودتها، وكميتها ونوعيتها، وتنصلا عن مسؤولية الحفاظ عليها، ومن المهم أن نطرح السؤال على مسؤولي اليوم: ماذا عساكم أن تفعلوا، وهل اقتنعتم بضرورة تغيير قواعد اللعبة؟ نأمل ذلك.

ثم كان علينا بعد ذلك أن نتدبر أمر التنسيق لزيارتنا عند مسؤولي الجبهة، فاتصلت بابن خالتي محمد علي المهلا المرابط هناك ليتولَّى أمر التنسيق، فمكث غير بعيد وإذا به يتصل بي مخبِرا إياي أنه تم التنسيق وأنه في انتظاري في نقطة محددة بالقرب من مدينة عبس، فحمِدْنا اللهَ على التيسير.

التقينا ومنسقَنا بين مدينة شفر وحرض، واطَّرحْنا تلفوناتنا لدى إحدى النقاط هناك، وكانت الحياة في طريق حرض تبدو طبيعية، لكن شيئا فشيئا تتضاءل نحو الشمال وتقل السيارات في الخط العام، ثم تكاد تنعدم.

استقلينا السيارة التي كانت لتوها قد أقلّت وفدا إعلاميا أمضى يومين في جبهة حرض وميدي، وأخبرَنا سائقُها أبو البتول النعمي (من ثقافيي الجبهة المخلصين)، أن طيران العدو الحربي والاستطلاعي في ذلك اليوم مكثف، وكانت الإشارة من جهازه بين الفينة والأخرى تنبِّه جميع الوحدات بتحليق الطيران في أجواء المنطقة، ولهذا لم نصل إلى أطراف حرض إلا واضطرَّنا التحليق أن نختفي في بعض أحراش المدينة، ثم ركبنا السيارة وأسرعنا قليلا، فإذا بنا نضطر مرة أخرى أن نعود للاختباء في أحد الأماكن التي أعدت للتمويه والاحتماء من طيران العدو.

جلُّ رفاقي كانوا يعايشون هذه الحالة لأول مرة، وبالتأكيد فالقلق بادٍ على عيونهم، ولكن روحَ المغامرة والتحدي كان سيد الموقف، وهي الروح التي جلبت آلاف الزوار الذين اكتظت بهم جبهات الشرف والعزة في هذا العيد، كأكثر من أي عيد مضى، وهو ما يشير إلى ارتفاع وتيرة الارتباط القوي والفاعل بين الجبهة والمجتمع الحاضن، وهو أمر يجب العمل على تفعيله وتمتين عراه من قبل المشرفين والمسؤولين وصانعي الرأي العام.

الهلاني .. النموذج المتكرِّر في المجاهدين

وصلْنا إلى الموقع الأول الذي كان يجب أن نصل إليه، وكان علينا أن لا نصل إليه إلا والجوُّ خالٍ من حشرات العدو - كما يحلو لأستاذنا عبدالحفيظ الخزان أن يسميها به - حتى لا نكشفَه لرصدها، وكان ذلك الموقع مخصَّصا للثقافيين، لكننا وجدنا كثيرا من أولادنا وطلابنا هناك يملأون حيزا كبيرا فيه عزة وشرفا وكرامة، فحمدت الله أننا شاركنا ولو قليلا في تأهيلهم علميا، وإذا بهم الآن يشاركون في تثقيف وبناء ذلك المجتمع الجهادي العظيم.

في ذلك المكان تجد ولدا في سن ولدك، لكنه يقوم بدورٍ أكبرَ من دورك الذي تقوم به، فتسأل الله التمام والتوفيق والتسديد، والجهاد ميدان فسيح وكبير، به شرُف وتقدَّم أقوامٌ كانوا قد تأخَّروا، وبسببه تأخَّر أقوامٌ كانوا قد تقدّموا.

في هذا المكان وجدتُ بطلا يمكن أن يشكِّل نموذج المجاهد الفريد، بطل (هلاني = من بني هلان) من قرية الوعلية إحدى قرى مديريتنا المفتاح، التي لم يكن يتوقع أحدٌ منا أن تقذِف بفلذات أكبادها على ذلك النحو المبهِر، فإذا بكثير من شبابها الأحرار يملأون الجبهات بطولاتٍ وأمجادا على نحو يدعو للفخر والمجد، شابٌّ عشريني قد دوَّخ المرتزقة وأسيادَهم في الخوبة، والحثيرة، وله صولات في صرواح، والآن يرابط في صحراء ميدي يلقن الجنجويد دروس اليمني الهادئ الودود الذي تُظْهِرُ الشدائدُ أيَّ أسد يربض في داخله؟

كان يرابط في صحراء ميدي ورغم إصابته بالحمى فلم يبرح مترسه ذلك، لولا أوامر أحد مسؤوليه التي أجبرته على ترك مترسه الشريف ليأخذ بعض الحقن والعلاجات، ورأيت فراشة الحقن لا تزال منغرسة في رسغ كفه الطاهرة.

أخبرني أن والده تربوي، فقلت في نفسي: كم كان عليه يوميا أن يفكِّر في هندامه قبل الولوج إلى فصله الدراسي، لكن وجه ولده هذا لم يعُد يأبَه هنا بذاك الهندام، بل بات يتشح بخط اعتراضي يقسم وجنته على اثنين، فدفعني الفضول أن أسأله عن سبب ذلك، وإذا بي أجد أنه بسبب قنابل عنقودية تعرَّض لها في الخوبة، ثم أراني - بكل فخر واعتزازٍ وببسمةٍ تملأ الدهرَ فخرا ومجدا - أماكنَ أخرى في ساقيه ويديه لجراحاته.

ومع تصبُّبِ عرقي الكثيف فلم أكف عن أسئلتي الكثيرة له عن زملائي من التربويين في قريته فردا فردا، وأيُّ بيوتها أخرجت مجاهدين أكثر، ومن انطلق منهم، ومن تثبّط، وما السبيل إلى تحريك المجتمع كله إلى سلوك طريق الجهاد، وإذا في إجاباته وتعليلاته من عمق التحليل، ووضوح الرؤية، وسمو الثقافة القرآنية ما جعلني أسبِّح اللهَ ربي أن جعل في المجاهدين أمثاله الكثير والكثير.

المجاهدون .. أسرة واحدة

ليس المجاهدون هنا من محافظة حجة، بل هم من كل مكان، فها أنا ذا أجلس مع رجل خمسيني من بني مطر، مضى عليه شهور هنا، وأراني صورة شهيد من أهالي قريته معلَّقا في ذلك المكان، كما أن أحد أولاده يرابط ويجاهد في نفس الجبهة، ولقيتُ مساءً أحد المشرفين الكبار من بني مطر من بيت الحاكم، وسمعتهم ينادونه بكنيته التي قادتني إلى التعرف عليه، إذ كنت قد سمعت عنه الطيِّبَ من القول والفعل، رغم أنه لم يعرفني ولم يشأ التعرف علي لكثرة الزوار، وكانت لهجات المجاهدين فيها تشير إلى مناطق عديدة من اليمن، ومع ذلك فليس هناك أحدُ معنيٌّ بأن يسأل زميله: من أين أنت؟ بل الجميع ينطلق في مهمته كما لو أن الجميع من أسرة واحدة.

غادرَنا الأخ أبو البتول ليذهب في مهمة أخرى بتلك السيارة على أمل أن نراه مرة أخرى، والتنقل في الجبهة أشبه ما يكون بالتنقل بين أنياب الموت المتربِّص بفريسته في كل لحظة، فكثيرا ما قُصِفَت المركبات والسيارات ونجى أو استشهد من كان عليها، ورُبَّ سيارةٍ ركبتَها اليوم وبعد ساعات تجدها حطاما محترقا في مكان آخر، ويقال لك: إن سائقها قد نجى بأعجوبة، كما هو الحال في السيارة التي دخلنا على متنها إلى الجبهة مع الأخ أبي البتول حفظه الله.

أصرَّ علينا المجاهدون أن نأخذ حظنا من الماء والاغتسال للتخفُّف من عبء العرق المتصبِّب وتلطيف الجو الملتهب في ذلك المكان، والذي يبدو أنه صار طبيعيا لدى كثير منهم، فهاهم الآن قد قضى بعضهم هنا ستة أشهر، ومرت عليه وكأنه في جنات عدن بردا وسلاما، وكأنه ليس في تلك الأرض الملتهبة، وتحت تلك السماء التي تجوبها آلات الموت بذلك الشكل.

يا ألله ما ألطفَك بعبادك، وما أقوى هؤلاء الرجال وقد منحتَهم شيئا من قوتك، ومعيَّتك، فإذا بهم يعيشون هذا التحدي بوجوهٍ باسمة، وقلوب راضية، ونفوس مطمئنة، لا ترى منها إلا الرضا والبشاشة والمودة.

وجاء المدد

أخبرونا أن الطيران يكثف طلعاته في لحظات قبل الظهر وبعده لإعاقة وصول المدد إلى المجاهدين، ومع ذلك فإن المجاهدين قد روَّضوا هذا الأمر وتروضوا له، وجاء الغداء وإذا بنا نأكل معهم قطع الحنيذ اللذيذ، والأرز النظيف، والحقين البارد، وهذه قطع الثلج توضع في أوعية يسمونها (الترمس)، يضعون فيها قناني الحقين لتبريدها، الحقين الذي صار ملازما للجبهات، ويتدفق عليهم بكثرة كاثرة، أما الخبز فكان من نوع خبز البيوت، وقيل لي إن هذا الخبز يغطِّي كلَّ مناطق تلك الجبهة، وأن بعض قرى مديرية المحابشة تتكفل بتوفير الخبز يوميا للمجاهدين، ويصل إليهم طريا كل يوم.

وفي الحقيقة أن التغذية في كل المناطق التي وصلتُ إليها وزرتُها تكاد أن تكون على هذا النحو، وتتوفَّر بشكلٍ جيِّد، وأن المؤمنين أهلَ المدد يبذلون قصارى جهدهم لإيصاله إلى كل مكان مهما كان الثمن ومهما غلت التضحيات.

يتبع

==

من وحي الجبهات .. (2)

بقلم/ حمود عبدالله الأهنومي

هناك في حرض في موقع الثقافيين تجد صحيفة صدى المسيرة، وصحيفة الحقيقة، ونشرات ومطويات أخرى، وهناك الكثير من المجاهدين من يقرأ بعضا من المقالات يل ويعتبر من القراء الجادين، بل ومن وحي واقعهم العملي قد تجد لدى بعضهم من النظرة والتحليل ما يفوق كثيرا من تحليلاتنا نحن القاعدين، ووجدنا هناك أيضا كتيبات دائرة الثقافة القرآنية، كما لمحْتُ أيضا كتيبَ (ابن ملجم بين الأمس واليوم) بيدِ أحدهم، وهو لا يعلم أنني صاحبُه، فأسعدني ذلك، ولكن حاولت أن لا يعلم أحد منهم أنني أنا من كتبتُه.

المجاهد البشوش .. خفيف الظل دهشوش

(دهشوش) لقبُ أحد المجاهدين الميامين، واسمه ناصر أحمد الأهنومي، وهو ابن عمتي ومن أسرتنا الطيبة أيضا، ورغم تلقُّبه بلقبٍ جهاديٍّ جديد، إلا أن اللقب القديم كان أقوى رسوخا وأثبت جذورا، ولهذا ظلَّ لقبُه الذي ينادَى به أينما وصل، في أنحاء الجبهة.

معظم المجاهدين هنا يعرفون هذا الـ(دهشوش) ببسمته العريضة، وتعليقاته اللطيفة، ومداخلاته الخفيفة، ورغم أنه غالبا ما يسوق طقما، أو سيارة، ويكلَّف بنقل الزوار والمجاهدين، من مكانٍ إلى آخر، ومن جبهة إلى أخرى، إلا أنه بحمد الله لم يُصَبْ حتى اليوم بمكروهِ قصفٍ، ولا برصدِ استطلاعٍ، فإشارته في يده، وخِبرتُه بتفاصيل المنطقة مترا مترا، ومرابطته من بداية العدوان في نفس الجبهة كل ذلك مكَّنه من مغالبة الطيران المعادي على نحوٍ مُدْهِش بتوفيق الله وحفظه.

لا تكاد تمر فرصة إلا ويتدخل (دهشوش) فيها بكلمةٍ لطيفة، وعبارةٍ مُدْهِشة، وكان الكثير يسأله ممازحا: لماذا يا دهشوش بقيتَ هذه المدة كلها من غير استشهاد، فيجيبهم ضاحا أيضا: بأنه لم يدخل في خط الشهادة بعد .. لكنه أخبرني أنه شعر منذ أيامٍ قليلة سابقة أنه قد دخل في خط الشهادة، أخبرني بذلك مبتسما كما لو أنه يريد أن يُزَفَّ إلى عروسه.

كان دهشوش سائق مركبتنا التي تنقَّلنا فيها في أنحاء الجبهة (حرض – الزاوية – الحثيرة)، لقد كان من حسن الحظ أنه على دراية بجميع المتارس والمواقع ومَنْ هم مرابطون فيها؛ فقد كان في مرة من المرات سائق طقم المدد، ولهذا ما كنا نريد زيارة أحد المجاهدين ممن نعرفهم إلا وينطلق بنا نحوه كالصاروخ.

في اليوم التالي مع دهشوش وبينما كنا نقطع مدينة حرض طولا ثم إلى شمالها الغربي متجهين غربا نحو منطقة الزاوية كان علينا أن (نتموَّه) ونختفي تحت بعض الأشجار الكثيفة هناك حتى يهدأ تحليق الطيران الاستطلاعي، وإذا بنا نجد أحد المدافع من مضادات الطيران، فيترحَّم دهشوش على أحد رفاقه الشهداء الذين دوَّخوا طيران العدو بذلك المدفع وأمثاله.

كان محيا دهشوش بسَّاما دائما، لكن جغرافيا المعركة وتفاصيل طبوغرافيتها قد تجبره على تذكر أحد رفاقه الشهداء فتعلوه شارة الحزن، ويتدفق بالدعاء بالرحمة لهم.

الحشيش .. والجبهة المعادية الأخرى

يروي (دهشوش) أنه وبعضا من رفاقه كانوا من أوائل مَنْ دخلوا هذه المنطقة في بداية العدوان، ويورد لنا قصصا كثيرة، منها قصص عن تجار الحشيش، يرويها (دهشوش) بشيء من السخرية والنقد اللاذع.

(راكان) من إحدى القرى التابعة لمديرية حرض، وأحد الملتحقين بالجهاد في بداية العدوان، يتذكَّره دهشوش بشيء من الاستغراب والحنَق، يقول عنه: كم كان لدينا يقرأ القرآن بخشوع، وكم كان يتلوه، ويتهجَّد الليل، وكم أذّن للصلاة فينا، وصلَّى بنا إماما، وكم بادر إلى الأعمال الجهادية، وكيف استطاع أن ينال ثقة المشرف ليكون قائد نقطة التفتيش، ويضحك دهشوش ساخرا وهو يقول: كنا نحن المجاهدين نمُرُّ عليه، وكان يشدِّد التفتيش علينا أكثر .. فكنا نثق فيه أكثر وأكثر.

غير أنه في نهاية المطاف تم القبض عليه ضمن شبكة تعمل على المتاجرة بالحشيش من اليمن إلى السعودية، فطوى معه قصة عريضة مثيرة من الخداع والتلوُّن والتمثيل البارع .. يتذكرها (دهشوش) بمرارة شديدة وقد علت محياه بسمة حانقة.

إن ما ينبغي قوله في هذا المقام .. هو أن النظام السعودي وقد بان للجميع أن ضباطا بمستوىً رفيعٍ في جهاز أمنه، وأمراء كثيرين من أمرائه وأميراته لهم علاقة مباشرة وغير مباشرة بتجارة الحشيش والمخدِّرات.

قبل عامين علم الجميع خبر القبض على أمير سعودي في بيروت وبصحبته طنان اثنان من الكبتاجون كانت في طريقها إلى إمارة تبوك السعودية، وبعدها بأيام قليلة تم القبض على أميرٍ آخر في القاهرة وبحوزته مئات الكيلوهات من الكبتاجون أيضا.

لقد ابتُلي أهالي المناطق الحدودية بسيول الإغراءات المادية التي توفِّرها تجارة الحشيش إلى السعودية؛ لأن في تلك الدولة ومن داخل ذلك النظام وفي أوساط ذلك الشعب المغلوب على أمره مَنْ يدفع الملايين من الريالات السعودية مقابل كميات قليلة من الحشيش، والمغامِر في التجارة فيها قد يُصْبِح غنيا بصفقة واحدة، ولا يعدم التسهيلات التي يوفرها موظفون مفسدون في ذلك النظام الفاسد، ولهذا فإن المجاهدين يعانون مرَّتين من ذلك المعتدي المفسِد، مرة بأسلحته وعدوانه، ومرة بأمواله التي تلهث وراء المحرمات الممنوعات.

اتضح لنا من خلال حديثنا مع مَنْ مررنا عليهم أن المنطقة التي تبدأ من مدينة الحديدة جنوبا وغربا إلى حرض شمالا، وبالتأكيد إلى عسير ونجران وصحراء الربع الخالي كلُّها تلوِّح من داخل الكيان السعودي بأموالٍ كثيرة لكلِّ مَنْ يتحرَّك في هذا السبيل، ولهذا تسبَّب هذا الطلبُ الحثيثُ في إغواء الكثير من أهالي القرى والمديريات المجاورة، فتبيَّن لي أن هناك جبهة أيضا للعدو تعمل في هذا الاتجاه توازي جبهة القتال والحرب، ولا يدري المجاهدون أيحاربون أولئك التجار أم يحاربون مموِّليهم وعملاءهم المشترين منهم.

في مدينة الحديدة سرد لي أحد مسؤولي الأمن من اللجان الشعبية قصة مروِّعة مفادُها تورُّط أحد مسؤولي بلدنا الأمنيين الكبار في تجارة الحشيش، وكان قد اتفق مع تاجر الحشيش على قسمة الأرباح نصفين، وكان ذلك المسؤول خطيرا إذ كان يشتري ولاءات من حوله ومرؤوسيه بتلك الأموال المدنّسة، وكان يقسم المكاسب القذرة بينه وبين كثير منهم؛ ولهذا تطلَّب طردُه من منصبِه الأمني مغامرة خطيرة وشجاعة مُفْرِطة من أحد مشرفي اللجان الأمنية.

قلت له: إن تدفق الأموال السعودية على هذه الآفة الخطيرة وبحث السعوديين عنها بشكل ملح يشير إلى توسُّع مساحة المدمِنين عليها، وإلى حجم الإفلاس الديني والإخفاق التربوي والتشجيع الأمني لها في أوساط ذلك الكيان المأفون، وأخشى أن تتكوَّن في ظل محاربة اللجان الشعبية شبكاتٌ خطيرة وكبيرة تكون قوة موازية لقوة اللجان الشعبية، ففاجأني قائلا: ليس بعدُ؛ إذ أن تجار الحشيش لم يصلوا إلى الضغط الأمني والعسكري بذلك المستوى الذي يدفعهم إلى التكتل، فهناك من الاختراقات، ومن سقوط بعض ضعفاء النفوس ضباطا وجنودا، ومن الطرق الملتوية، وسعة المساحات البرية والبحرية، والانشغال بمواجهة العدوان ما مكَّنهم من التحرك بحرية نوعا ما في تجارتهم.

أقول: في نهاية المطاف: قبَّح الله السعودية المشجِّعة على هذه الآفة، وشوّه الله وعاظها الذين كرَّهوا دينَ الله لدى مواطنيها، وتربَّى مجتمعُهم ذلك على النفاق والمجاملات والمداهنات، ولا زلْتُ أتذكَّر سائق الأجرة في صنعاء الذي أخبرني وقد عاد لتوِّه من بُرَيدة في السعودية، وحدَّثني عن قصصٍ مُحزِنة، ووضعٍ اجتماعي خطير، يعكس انتشار هذا الآفة بصورة واسعة في مجتمعٍ مرد أهلُه على النفاق والمداهنة، واعظين ومطاوعة، ومسؤولين ومواطنين.

أبو أحمد وأحمد عبدالرحمن ومشرف حجة

في عصر اليوم الأول انطلق بنا دهشوش إلى مكانٍ آخر في حرض، وإذا بي أجد فيه مَنْ كان اللقاء به وزيارتُه - من أهمّ أولوياتي، إنه المجاهد العظيم أبو أحمد، الذي كان يقيل مع المشرف العام لمحافظة حجة، ومراسل الميادين الأستاذ أحمد عبدالرحمن، وآخرين إعلاميين ومجاهدين وزوارا.

أبو أحمد من رجال الله الذين باعوا أنفسهم، خِرَّيج كلية التربية قسم الفيزياء، وأحد الذين تلقَّوا علومَهم الشرعية، كان له نشاط علمي وتعليمي رائد، ونشِط في الجانب الثقافي في مديريتنا دهرا طويلا، ثم التحق بالجبهة ثقافيا رائدا، لكن مؤهلاته وقدراته الذهنية والعلمية والمعرفية أهّلته لأن يتولى عملا مهما من أعمال الجبهة العسكرية أسأل الله أن يوفِّقه فيه ويعينه وجميع زملائه المجاهدين.

تحدثتُ قليلا مع مشرف حجة المعين من أشهر معدودة، وسألت الله له العون في مهمته، وأعجبتني شهادة أحد المجاهدين له بأنه عند هجوم الجنجويد السودانيين على صحراء ميدي في آخر شعبان المنصرم، تحرَّك من مدينة حجة نجدةً ولم يتوقَّفْ إلا في المواقع الأمامية في الجبهة، فحمِدْتُ له بظهر الغيب ذلك الصنيع المسؤول والشجاع.

في ذلك المكان تبادلنا أطراف الحديث عن الحاضر والماضي، واستشرفنا شيئا من المستقبل مع الأستاذ أحمد عبدالرحمن مراسل قناة الميادين، والإعلامي عمار الجرب، ومراسل اليمن اليوم، والمجاهد أبي أحمد، وآخَرين، وكان حديثنا عن الجبهة، ومعنويات المجاهدين، وسقوط آل سعود في ذلك الوحل المخزي، وطوّح بنا الحديث إلى الوهابية وآثار حروب الردة، وما لاقاه مالك بن نويرة في تلك الليلة وقد قتله (جمال امرأته) كما يروي بعض المؤرخين.

كنا في ذلك المكان، ولم يكُفَّ الطيران عن التحليق، وهناك أصوات انفجارات لقصف أو مدفعية، بين الحين والآخر، وصوت صواريخ الكاتيوشا يتضح للسامع بدون شبيه، قال المجاهدون: إن ذلك اليوم كان ساخنا بالنسبة للطيران، وعلل الأستاذ أحمد عبدالرحمن أن ذلك بسبب بث تقارير زيارة رئيس المجلس السياسي الأعلى إلى الجبهة في الحدود، وأنه ربما أثار حفيظة أولئك المغرورين.

لا يترك المجاهدون فرصة إلا ويستثمرونها، فإذا بنا في ذلك المجلس في حضرة الشهيد القائد، حيث المجاهد أبو أحمد قد انبرى بقراءة ملزمة تتحدث عن وجوب أن يكون هناك تربية جهادية.

وفي الجبهة لا تجد في المجاهدين أحدا إلا وهو يعظم السيد القائد عبدالملك بدر الدين تعظيما كبيرا، وملفِتا، قلت للأستاذ أحمد عبدالرحمن: إن السيد حاضر دائما في وعي المجاهدين في كل الجبهات وعلى مختلف الأصعدة، إنهم يعتقدون أنه موجود مباشرة خلف كلِّ انتصار، وأنه لا تفوته شاردة ولا واردة، وذلك أمارة التعظيم والإجلال.

أضفتُ بأنني قلت باكرا: إن قيادة الشعب اليمني في مواجهة عدوان أجنبي هو ما كان ينقص السيد القائد ليلتحق بركب الزعماء الوطنيين الذين قادوا ملاحم التحرُّر الوطنية، فإذا به الآن يقود أعظم ملحمة تاريخية وطنية تحررية في العالم ضد أعتى عدوانٍ همَجي محتل.

عدوان الروماتيزم .. في الجبهة

في أول ليلة هناك وبسبب تغيُّر الطقس وسهَر أيام العيد كانت يداي على موعد مع ألم شديد في عظامها، يعتادني في حالات السهر مع ليالي البرد، لكنَّ ما حدث اليوم هو العكس، وهو السهر مع الحر، لقد زارني ألم الـ(روماتيزم)، وما نسميه شعبيا (المُسَيْك) بشكل مؤلِم لم أشعُر بمثله من قبل.

كان ألمي يزداد شيئا فشيئا كلَّما تقدم الوقت، غير أن متعة الحديث، وعبقرية المكان، وشرف الحضور في أوساط أولئك الأبطال كانت مراهِمَ مسكِّنة تخفف الألم من وقت لآخر.

ورغم أن الله ألقى إلينا في أول تلك الليلة بالقاضي عبدالوهاب المحبشي، ورفيقه الأستاذ محمود النعمي، والمنشد أحمد حسين هبة، ومجلسٌ يحضره القاضي المحبشي ورفاقُه هؤلاء ليس سوى مجلس الأدب الجميل، وقد تسلّح بقصص الأبطال، ومشَّط بالتحليل البديع، وموَّه باستعراض السيناريوهات المثيرة، وهجم بالخيارات الاستراتيجية، وقنص بالاستشراف الصادق المستقبل الواعد إن شاء الله.

لقد كان مجلِسا رائعا، وفاضِلا، وممتلئا بالتفاؤل والثقة بالنصر، وكانوا للتو قادمين إلينا من صحراء ميدي.

لكنني قضيت ليلة هوجاء من شدة عواصف ألم يدي، ولم يستطع رفيقي وابن خالتي ولا الولد المجاهد علي الملاهي (الذي هاجر عندنا فترة وسكن في بيتنا) ولا أيٌّ من المجاهدين من التحرُّك إلى حيث توجَدُ الصيدلية لأخذ مسكِّن بسبب تحليق طائرات التجسس المعادية، ورغم تناولي حبوبا مهدِّئة للألم، لكنها لم تُجْدِ نفعا معي، ومن شدة الألم، وضراوة الحر، لم أذق طعم النوم.

بلى كان لديَّ علاجٌ أستخدمه في وجه كل عاصفة من عواصف الألم الشديد التي اجتاحتني هجماتُها في تلك الليلة، وهو أنني قضيتُ الساعات الطويلة جالسا أُذكِّر نفسي بين اللحظة والأخرى أن هذا الألم مهما اشتدَّ وقويَ سيظل أهونَ بكثير مما يلاقيه أبطالُنا هؤلاء، من ألم الجراح، وضراوة الحر، وسموم الصحراء، وهول القصف وشدته ونوعه.

كنت أقول لنفسي: ما عساكِ يا نفسُ تذوقين من ألمٍ في ليلة واحدة، وهؤلاء الأبطال يذوقون ما هو أشد منه ألما ووجعا ولسنين عديدة تحت هجير الحر، ووخامة الطبيعة، وتبريح أوجاع الجراح، وهول القصف، وفراق الأحباب وأصدق الزملاء المجاهدين؟!

وبالفعل لقد ساعدني ذلك الشعور على خفض مستوى الوجع، لا سيما وقد سمعتُ لتوي في المجلس أن السيد القائد كان قد وجَّه المجاهدين لما شكوا إليه شدة حرارة الصحراء، وجَّههم بالتطبُّع والتعوُّد على حرارتها، فإذا بهم وباستعداداتهم النفسية والبدنية يتجاوزون تلك العقبة وتصير متارسها ومواقعها مما يتسابق إليها المجاهدون.

أبو حسين .. متزوِّج بالجبهة

لقيتُ ابنَ خالي الشاب الصغير أبا حسين، واسمه عبدالله حسين، وكان لقائي بمن أعرف من المجاهدين هو أقصى المنى، وغاية الأمنيات، قلت له: قال أبوك: إنه قد دفع مهر زوجتك كاملا، وإنه إذا لم تعُد إلى البيت للزفاف بها فإنه سيزفها إلى مترسك في الجبهة، فضحك، وقال: دعنا من هذا الحديث، لقد تزوجنا بالجبهات.

أبو حسين زاد نشاطُه أكثرَ بعد استشهاد أخيه الأكبر القاضي محمد حسين الأهنومي، وقبل ذلك كان قد جُرِح في صحراء ميدي يوم صد الأبطال أول زحف حاصر مدينة ميدي، فبقي شهورا في المشفى والراحة، ولكنه ما لبث أن عاد إلى الجبهة وجرحُه لمَّا يندمِل.

ليس أبو حسين إلا مثال ونموذج متكرِّر لآلاف المجاهدين الأبطال الذين استلذوا الجبهات، واستطابوا حياتها، وعافوا حياة البيوت والدعة والمتعة والشهوات، وكانت الجبهات أعراسهم المفضلة وزيجاتهم الهانئة والسعيدة.

وهناك .. عبدربه الأخبل

وأنت في خضم الأمل قد تجد المنشد والشاعر أحمد حسين هبة ويُجبِرك على الانتصار على الألم بالضحك وهو ينشد بطريقته الساخرة والرائعة قوله:

يا رب قل لي ما افعلْ  *** في عبد ربه الأخبل

عبدربه المقرون بحمار أحمد حسين دائما، حيث في ذات اللحظة لا ينسى حماره الأسير في نهم والذي أعلنت قنوات إعلام العدو عن أسره، فينشد له: يا حماري يا حماري

ثم يهتف بتحرير الحمار قائلا:

استنفاااااااار استنفاااااااار ...  حتى تحرير الحمار

المنشد أحمد حسين هبة بشحمه ولحمه كان معنا في تلك الليلة يضحك من أحمد حسين هبة المسجل في تقرير المسيرة والذي كانت أهازيجه تعرض في التلفزيون وقد سجلت في صحراء ميدي مع مجموعة من المجاهدين.

يتبع

==

من وحي الجبهات .. (3 - والأخيرة)

 

في صباح اليوم التالي انطلق بنا طقمٌ يبارِز الطائرات المحلِّقة سُرْعة في خطٍّ ترابي يشق وسط البرية، ويلزم أحدَنا أن ينتبه لدفع السيارة له إلى أطراف تلك الأشجار فتتناول شيئا من جسده على حين موجة سرعة، حتى إذا وصلنا إلى الزاوية بين ميدي وحرض كان هناك الخطُّ الحدودي الترابي هو ما يسترنا عن مواقع العدو في القنبور، والموسم، وكانت ميدي إلى الغرب منا.

ملائكة طهرا .. وأسود قتالا

ترجَّلنا عن السيارة وأبعدناها عنا، لنتحرَّك تحت سياط الحرارة المندفعة بحماسة هؤلاء الأبطال وبين مواقعهم ومتارسهم الأمامية، فعايدنا أولئك الأبطال هناك، وعبّرنا عن شعورنا بالامتنان والتقدير لتضحياتهم وجهادهم، والتمسنا البركة والخير من حضورنا معهم، وقلنا لهم بأن المجتمع اليمني ينظر إليهم كأبطالٍ عظماء وقديسين من أفضل البشر، استطاعوا أن يناجوا الله من محاريبهم الجهادية المقدَّسة في هذه اللوحة العبادية الرائعة والفاتنة.

وجدنا هناك مجاهدين من أماكنَ مختلِفة، من مديريات الساحل التهامي ومن الجبال، كلُّهم ألسنة شكر على ما منَّ اللهُ به عليهم من فرصة الجهاد مع الله وفي سبيله وتحت قيادة أبي جبريل سلام الله عليه، وجدناهم بالفعل ملائكة مطمئنين يمشون على الأرض طهرا ونقاء وصلاحا وذكرا، ووجدناهم أسودا ضارية متأهبين لكل إشارة، وقد أعدوا من السلاح والمتارس والخنادق والممرات والتمويهات ما أعجز عقول العدو ومرتزقته إن كانت لهم عقول.

ما بقي للعدو هو الطيران، ومع ذلك فقد تعايش هؤلاء المجاهدون هنا مع هذا السلاح، وطالما أفلتوا من غائلاته، وقد يصطفي الله منهم من يختار شهداء إلى جواره.

عدنا شرقا إلى الشمال باتجاه الحثيرة، والتقينا بعدد من المجاهدين وعلى رأسهم السيد أبو عبدالله جاري العزيز، وآخرون من أبطال مديريتنا الشرفاء، ومررنا على مكان الشهداء الأربعة من أبناء مديريتنا، الذين قضوا شهداء في اليوم السابق لزيارتنا، وإذا بمكان استشهادهم قد أُحْرِق تماما، ترحَّمْنا عليهم، وقلنا: هنيئا لمن جاور الكريم ولحق بالرب الكريم الرحيم.

والمقيل .. في الحثيرة

بات حديث المجاهدين عن زملائهم الشهداء أمرا اعتياديا وطبيعيا، وحدثا يوميا متكررا، وكل منهم مستعد للقاء الله في أي لحظة، ومع ذلك فهم يتمازحون، ويتحدَّثون، ويتحرَّكون كما لو أنه لم يحدث شيء مكروه في ذلك اليوم، وكأنه لم يغادِرْهم إلى الله أحدُ أحبَّتهم، وهنا لا يملك أحدُنا إلا أن يقول: سبحان الله مَنْ رَبَط جأشَ هؤلاء، وثبَّتَ قلوبَهم، ورفَعَ معنوياتهم.

صلينا العصرين، وتناولنا الغداء في الموقع الذي صادَفَنا فيه وقتُ الغداء، لننتقل بسرعة منه إلى مترس آخر، ثم هكذا حتى وصلنا إلى الحثيرة، لنجد أصحابَنا الذين أحببنا زيارتهم هناك، وتناولنا معهم هناك غصونَ القات الطري، وأطراف الحديث الجهادي، وكيف أن الله مكَّن رجالَه المؤمنين من إهانة نظام آل سعود العميل ليحرِّروا بسلاحِهم البسيط والخفيف بعضَ الأراضي المحتلة مثل الحثيرة وغيرها.

ذكرتُ لهم مستفيدا منهم بأن علينا أن نفهم طبيعة المعركة، ومن يديرها في جبهة العدوان، وتذاكرنا شرف التصدي لهذا العدو الحقير، وشرف المشاركة في هزيمته، التصدي الذي يسطرونه يوميا بأروع البطولات، وأقوى الثبات وأعلى الشموخ، إنها لمواجهةٌ فاصلةٌ لها ما بعدها، وإن الله قد هيَّأ لليمنيين الأحرار أن يحوزوا هذا الشرَفَ نيابة عن الأمة الإسلامية جمعاء.

جريح .. يقضي نقاهته في الجبهة الساخنة

ومن عجيبِ ما رأيتُ أن أحدَ المجاهدين الجرحى من بيت جهلان من مديريتنا الغراء كان لسانَ القوم ومتحدِّثَهم، جُرِح في ميدي، ولم ينتظِر حتى يُشْفَى جرحه، بل ذهب يرابِط حاملا يده الجريحة التي لم يستطع أن يصافحنا بها إلا لمسا، وهذا نموذج يكاد يكون عاما لمعظم الجرحى.

قلت: وهل يعي هذا العدو أية مصيبة تورَّط فيها، ورجالنا هؤلاء الهائمون بالجبهات على هذا النحو الفريد، الذين لا يأنسون إلا لحياة الكرامة والمواجهة حتى وإن أصيبوا فإن نفوسهم لا تطيب ولا ترضى ولا تسعد إلا بالبقاء في الجبهة.

(روح الله) .. مدد القوم

في الطريق وجدنا (روح الله) أحد الشباب المجاهدين من بني مطر، سائق سيارة الماء (البوزة)، الذي ما إن رأى (دهشوش) حتى صاح بكل صدق ومحبة (دهشوش)، بل صادف اللقاء به غيابا للطيران فإذا به يقْفِز من سيارته ليُسَلِّم على بشوش الوجه (دهشوش) وكأنه أبٌ له أو أم.

يا للروعة .. كيف صنعت المعركة هذه الروابطَ المتينة التي لا تجدها حتى بين الأبِ وابنِه، والأخ وأخيه، وتقبَّل الله الشهيدَ أبا حرب الملصي فقد ذكر أن المجاهد أكثر اهتماما وعناية ومحبة لزميله من الأب لأبيه، والأخ لأخيه، وتبادل دهشوش وروح الله النكتة الطريفة، والتعليقة المؤدَّبة.

الجميع .. خلية نحل

في الجبهة تلك لاحظت ترتُّبَ العمل ووجودَ قيادةٍ وسيطرة وتحكُّم بجميع مفاصل الجبهة، في الأقسام والجبهات والمتارس، وتبدو الأمور في أحسن أمورها ترتيبا وتنظيما وتوزيعا، وأداءً ومهمات؛ سألت أبا أحمد عن السبب، فقال: الجميع هنا يعيش في رحاب المولى تبارك وتعالى، ويشعر بحقارة الدنيا، وضآلة من يطلب حظوظ النفس، ولذا فالجميع يطلب رضوان الله ويبتغي عفوه وقبوله، ومن هنا لا تظهر الاختلافات الضارة، ويتحرك الجميع كخلية نحل كلٌّ له دورُه المرسوم، وعمله المعلوم.

ومن غير شك فهناك تطوُّر وتقدُّم في ذلك؛ حيث طوال الفترة الماضية كانت تعقد لهم الدوراتُ التأهيلية والتدريبية المواكِبة على قدم وساق، لتأهيلهم في مختلف الأعمال والأقسام بالشكل الضامن للنصر بإذن الله تعالى، ولرفع مستواهم الإداري والفني والقتالي والعسكري بشكلٍ دائم، لا كلل فيه ولا ملل.

وطالما لقيتُ في صنعاء وغيرِها مجاهدين من جبهة حرض والحثيرة وميدي، تلقَّوا دوراتٍ وورشَ عملٍ مختلفةٍ وفي مجالاتٍ عديدة، وهذا ما يُطَمْئِنُ أن وضعَ جبهتِنا ورجالِنا يتطوَّرُ وينتظِم يوما بعد آخر، بخلاف وضع جبهة العدو ومقاتليه فإنه يتدهور يوما بعد آخر، وينتثر أمرهم من يوم إلى آخر.

رجالُ الحرب .. وأسود السلم المختبئون في ملابس نسائهم

أظهرَتْ هذه المعركةُ معادِنَ الأحرار من الرجال عن من سواهم، تسألُ عن قائدِ هذا المربَّع أو ذاك فإذا به من الرِّجال الذين كانوا لا يُؤْبَهُ لهم مجتمعيا، لكنهم استطاعوا أن يشقُّوا طريقَهم في مضمارِ العزة والكرامة، وإذا بهم يقودون أقوى معارك الصمود، في الوقت الذي سقط فيه آخَرون طالما ملأوا أيام السِّلم ضجيجا وصخَبا وفتلا لعضلاتهم وقوتهم، وإذا بهم وبأفرادهم في هذه المعركة  يختبئون في ملابس نسائهم، لهذا أقول: إن أية أسرةٍ أو قبيلةٍ أو قريةٍ أو مدينةٍ لا تتشرَّف بشرف المشاركة في هذه الملحمة الأسطورية فهي ناقصة الشرف، فاقدة الكرامة، لا عزة لديها ولا نخوة.

ماذا عسى أولئك الذين ليس لهم جهد واضح في مواجهة هذا العدوان أن يقولوا أمام أجيالهم حين يسترجع الناسُ تاريخَ عزتهم فيسأل الولدُ أباه: في أية معركة كنتَ يا أبي؟ وما هي جبهتك التي شاركْتَ فيها؟ وما هو العمل والدور الذي قمت به في مواجهة الغزاة المحتلين؟

في أرض العزة والكرامة حيث تنال منها سياط القنابل، ونار الصواريخ، وتضيق عليها الطائرات، وتصيخ الأسماعَ مدافعُها العملاقة .. تعلو بك معنوياتُ المجاهدين شأوا بعيدا، وتفتح لك آفاقا واسعة، هناك تسمع المجاهدين وهم يتعجَّلون يومَ يطوفون على بيتِ الله، وقد تحرَّر من دنس عملاء اليهود والنصارى، وتحليلاتُهم لا تستثني سقوط البيت الأبيض في أيديهم، وهذا إن دلَّ على شيء فإنما يدل على الهمة العالية والأفق الواسع والنفسية العالية التي تقف خلف هذا الصمود والانتصار.

مرتزقة .. و(يتحاقرون)

في صبيحة اليوم التالي لوصولِنا إلى تلك الجبهة .. كان هناك شخصٌ في الإشارة يحثُّ المقاتلين قائلا: (لماذا لا تلبُّون حاجة السودانيين من الموت في التبة الفلانية؟)، فقيل: هذا صوتُ القائد يحث مجاهديه على اقتحام تبة في أقصى شمال صحراء ميدي كان المرتزقة السودانيون لا يزالون يتشبثون بها بعد أن تلقوا هزائم نكراء طوال الفترة الماضية.

وفي صباح اليوم الثالث سمعْنا الإشارة تخبِر أن العدو قد اندحر من أماكن عديدة في ميدي، وأن معنوياتهم في انهيار، فكان ما سمعناه في اليوم الأول من حثٍّ قد آتى أُكُله في اليوم التالي، وهكذا تأتي النتائج العظيمة بحسب الهمم الكبار، فالهمة العالية تحقق المستحيلات، وليس الصعاب فقط.

جديرٌ بالذكر أن العدوَّ السعودي الأمريكي كان قد شكَّك في مرتزقته اليمنيين واتهمهم بالتواطؤ والتآمر والجبن لاستنزافه؛ لهذا جلب الآلاف من مرتزقة السودان الذين شراهم بثمن بخس لينقذوا بعضا من طموحاته المتهالكة والمنهارة.

وفي آخرِ شعبان المنصرم، نفَّذ السودانيون هجوما كاسحا بأعدادٍ مهولة، وبعتادٍ كبير، وصادف أن هاجموا مُرَبَّعا في صحراء ميدي كان كثيرٌ من أفراده يقضون صياما فاتهم في العام الماضي قبل دخول رمضان هذا العام.

استطاع المرتزقة السودانيون اختراقَ ذلك المربع، واشتعلت قنوات العدوان أخبارا باحتلال ميدي ومزارع نسيم، لكن ما إن توغلوا قليلا حتى تلقاهم الخط الدفاعي الثاني، الذي أوقف زحفهم، وتحرَّكت المربعات المجاورة بالضغط عليهم من خلال وحدات القناصة ومضادِّ الدروع، فقتلوا العشرات منهم، وتحركت المديريات المجاورة للجبهة برفد الجبهات في لمح البصر، وكان ضغط الخط الدفاعي الثاني، وضغط المربعات الجانبية لذلك المربع كفيلا بإعاقة تموضع السودانيين، بل وفي إرباكهم، واصطيادهم في حقول ألغام، حوَّلتهم وآلياتِهم إلى أشلاء وقِطَع ممزَّقة ومتناثِرة، ولم يصل مجاهدو ذلك المربع ويفطروا إلا بالتنكيل بأعداء الله الجنجويد والمرتزقة المجلوبين من كل حدب وصوب.

والجميع رأى ذلك المصوِّر البطل ربيع الميسري (استشهد لاحقا) في الإعلام الحربي وهو يشير إلى عدة وعتاد السودانيين عن قرب، ويبشِّر بالتنكيل بهم عن قريب، وبالفعل ما وصل المقاتلون والأرفاد الأخرى إلى المعركة إلا وقد تم قتل وجرح المئات منهم، تركت جثَثَ قتلاهم تملأ فضاء تلك الصحراء نتانة ودناءة.

تركت جثث المرتزقة السودانيون تملأ ذلك الفضاء، وليس هناك من قريب ولا من بعيد كلَّف نفسه بجمعهم ودفنهم، غير المجاهدين الذين واروهم بالتراب دفنا لهم مع عارهم الذي جلبوه على أنفسهم في الدنيا والآخرة في تلك الصحراء.

المضحك أن المرتزقة المحليين قد فرحوا فرحا كبيرا بهزيمة المرتزقة السوادنيين واتصلت تلفوناتهم (الوزيز) بالشكر للمجاهدين اليمنيين أنهم (طيبوا نفوسهم) في السوادنيين الذين كانوا قد أظهروا الكبر عليهم، قلت: قاتلكم الله جميعا، جميعكم مرتزقة وأعداء لنا، ومع ذلك تتمايزون، أيكم أرفع دركة في نار العار؟!

مرتزقة سوادنيون لم تغنهم (طلاسمهم)

وجِدَ في جثث كثير منهم (طلاسم) عليها خطوط وأشكال وهيئات من كتب الشعوذة، وفيها يطلبون نجاتهم ممن سموهم (الحوثة الرافضة)، غير أنهم وجدوا أن (كل تميمة لا تنفع) أمام بأس الله القوي الجبار الذي منحه أولياءه المؤمنين الأحرار.

والسؤال الذي يطرح نفسه على دعاة التوحيد من وعاظ الوهابية الذين قتلوا الأمم من المسلمين بذريعة أنهم مشركون، ومشعوِذون، كيف يقبلون بهؤلاء المشركين معهم يدافعون عن (توحيدهم)، كيف قبلوا بأن يقاتلوا على أرضهم، ودفاعا عن الحرمين كما زعموا؟!

سؤال وجيه، ولكنه يحمل من الغباء أيضا ما يَحمِل؛ لأن السعوديين الذين يعتقدون شِرْك هؤلاء وبدعيَّتَهم، قد جوَّزوا الاستعانة بالمشركين، وباليهود والنصارى أيضا، وبالتالي فهم يعتقدون جواز الاستعانة بالمشرك، وهؤلاء السودانيون من أرخص المشركين لديهم، وسيان عندهم حياتهم وموتهم.

في ساحل ميدي

قمنا بزيارة جبهة ساحل ميدي، وسرّنا ما وجدنا عليه القوم من الاستعدادات المذهلة، والترتيبات التي لا تخطر على بال في مواجهة أية محاولة اختراق بحرية من هناك، هناك من الإعدادات ما أوقعت العدوان في حيص بيص من أمره، ولم يجرؤ على القرب من هذا الساحل؛ لأنهم علموا أنه سيكون جهنم الأخرى التي تلتهمهم وما يأفكون.

على طول ذلك الساحل وحتى اللحية يرابط المجاهدون من محافظة حجة، مررنا على بعضهم وسلَّمنا عليهم سريعا، وكانت سيارتنا بيضاء، لا توارينا عن عين الطيران الوقح، ولكن بيدنا إشارة تخبرنا عن تحليق الطيران، وكنا على استعداد بترك السيارة بعيدا كلما داهمنا خطر، كان المجاهدون يخرجون إلينا من أماكن لا تخطر على بال أحد، وإذا بالأرض القفرة في لحظة تصبح مأهولة بشكل سريع، فنسلم عليهم سريعا وننطلق إلى غيرهم.

لا يريد الحديث عن السياسة

في ليلة الجمعة استضافنا أحد المجاهدين في مديرية عبس، وبادر ابن خالتي الأستاذ محمد علي المهلا بتوزيعنا ورفقتي لخطبة الجمعة على بعض المساجد هناك، وكان عليَّ أن أذهب إلى جامع دار الحسي على طريق الجر، وهو جامع كبير، يخطب فيه (مطوِّع) قيل لي بأنه لم يسبق له أن تحدَّث عن العدوان ومواجهته، وقد شكى كثير من رواد المسجد أمْرَه، ويبدو أن التحالم هو ما حجز المسؤولين هناك عن عزله واستبداله بغيره.

ما إن علوتُ المنبر وأكملت ديباجة الخطبة، وولجت إلى موضوع العدوان، حتى قام شخصٌ كأنه ملدوغ من حية، يعترض عليَّ ويهذرم بكلامٍ لم أدر ما قال، وكأنه كان لا يريد سماع كلام في السياسة على حد زعم الكثير، ويريدنا أن نتحدث عن الغيبة والنميمة فقط، في وقت يأخذ منا العدوان كل شيء، وكان اعتراضه ذاك حافزا للحديث عن العدوان بشكل أكثر تفصيلا، وكأنه فتح الشهية للحديث عن ذلك من جديد.

أكملنا الصلاة، وقد غُص المسجد بالمصلين، وإذا بجماعات من عقال المدينة، يتحلقون بي ويترجونني ومرافقي ابن الخالة محمد المهلا أن لا نمس هذا المعترض بسوء، لأنه كما قالوا مجنون، وقد رفع القلم عنه، فطمأنَّاهم خيرا، لكنهم كرَّروا رجاءهم ذلك، فقلت لهم: حتى ولو كان ممن يجري القلم عليه، فسوف لن نحاسبه، ولن نهبط إلى هذا المستوى الذي تظنون، وغاية ما في الأمر أن ننصحه، بأنه قد لغى في خطبة الجمعة، وأنه إن كان مؤيدا للعدوان فقد لغى في إيمانه، ودينه، ووطنه.

قلت لمرافقي: يبدو أنه مواطن مستثار، وقد أعيت الأحداث وجهته وبصيرته، ولو كان من المنافقين المرتبطين بالعدوان لما جاهر بذلك الشكل السطحي.

مع مشرف المديريات

التقيت بمشرف مديريات الساحل، المجاهد العظيم إبراهيم المداني، فرأيت منه رجلا كاملا في عقله، ورزانته، وعلمه، ومعرفته، ووعيه، وحسن إدارته، وليس غريبا على رجل أن يكون بذلك المستوى الجهادي، وأخوه القائد الشهيد أبو طه المداني رحمه الله، وأخوه الآخر أبو حسين المداني حفظه الله ونصره.

جلست معه في مقيل وهو في معالجة قضيةٍ من القضايا التي كانت مثارة آنذاك، فرأيت منه حسن إدارة، وتبيّن لي طيبة أبناء تهامة وكرمُهم ووفاؤهم، ووراثتهم لصداقات الآباء، بما طمأنني أن ظهر الجبهة ظهرٌ محمي بالرجال الطيبين، كما تبيَّن لي أن كثيرا من المسؤولين الحزبيين هناك على وعيٍ بأن قواعد اللعبة السياسية والحزبية قد تغيّرت؛ ولذا كل منهم يضع رجله في وطاء مستقبل آخر، وكل منهم يحجز مكانه في قطاره الجديد، وإن كان ذلك على خفية واستتار.

في الحديدة ومع أمنها

كان علينا أن نغادر أولئك الطيبين إلى مدينة الحديدة ومحافظتها، وبها مجاهدون كثر ممن نعرفهم، فأعجبني التدقيق في نقاطها الأمنية، وأعجبني ازدحام الناس في هذه المدينة من أهلها، ومن غير أهلها، جاؤوا للنزهة والسباحة رغم حرارة الصيف المتوهجة، ورغم حرارة تصريحات دول العدوان الفقاعية حول مهاجمتها.

نزلنا فندقا من فنادقها المتوسِّطة، ونحن متوشِّحون لأسلحتنا، فأوسعَنَا مالكُه أو مديرُه من الترحيب والثناء والتعامل اللطيف ما أخجلنا، ظنا منه أننا مجاهدون، فقلنا: رضي الله عن رجال الله في الميدان، ولطف بنا معهم.

هناك التقينا صباح اليوم التالي بالمجاهدين، وخضنا في قصص هذه المدينة الجميلة والطيبة، وكيف أحكم رجال الله قبضتهم الأمنية والعسكرية على المنطقة، وما يسَّر الله به من فتوحاتٍ عظيمة، انتهت بالقبض على كثير من الخلايا التكفيرية القاعدية والداعشية، ومنافقي العدوان.

الله يتدخَّل بتدبيره

من تلك القصص أن رجالَ أمنٍ تحرَّكوا من صنعاء، ومن مدينة الحديدة إلى في باجل، للقبض على زعيم القاعدة في المنطقة الغربية الشمالية كاملة، بعد عملية ترصد جيدة، لكنه عند وصولهم انسلّ من مقره ذاك من بابٍ خلفي له، وأفلت من أيديهم، ولكن عناية الله كانت حاضرة، حيث ما إن ابتعد هذا الزعيم القاعدي ونائبُه قليلا عن المقر حتى رأيا طقما من اللجان الشعبية، فظنا أنهم يلاحقونهما، وهم لا يعرفونهما، وليس لديهم معلومات عنهما، فبادراهم بإطلاق النار، فرد عليهما أصحاب الطقم حالا وأردوهما قتيلين، ولما أبلغوا عنهما إذا بهما المطلوبان بذاتهما، ووجدوا في ذلك المقر كنزا من المعلومات الأمنية والترتيبات، أفاد منها الأمن شيئا كثيرا.

هذه حالة من عدد كبير من الحالات المشابهة التي تتدخل فيها العناية الإلهية وتساعد رجال الأمن في الحفاظ على أمن المجتمع، واستقراره النفسي، حين لم يقصر رجال الأمن في واجباتهم فإن الله تدخل معهم للتسديد والإعانة والتدبير.

أوضاع الحديدة رائعة ومطمئنة، وقبضة رجال الله المجاهدين هناك للوضع الأمني والعسكري مطمئنة، بل ومبشرة، وهناك عملية بناء مستمرة للكادر العسكري والأمني، وأبناء الحديدة أنفسهم أثبتوا أنهم من أفضل المجاهدين الذين يثبتون في الجبهات بشكل عجيب.

وتجولنا في بعض مواقع التدريب في المحافظة، وإذا بنا نجد عملا رائعا، وجهودا استثنائية، ودورات تأهيلية وتدريبية مستمرة، والجيد فيها أن هناك إشراكا رائعا لأبناء المدينة والمحافظة في المساهمة الفاعلة في الدفاع عن البلد، وفي الحفاظ على الأمن، وأن هناك استجابة كبيرة جدا منهم.

التحولات الكبيرة قادمة

مكثنا نتجول في تلك المواقع ورأينا من ثبات المجاهدين وحملِهم لقضية الجهاد ما طمأننا أن التحولات التاريخية قادمة لا محالة، وأن اليمن بهؤلاء العظماء باتت أصلب من الحديد، الذي يتكسر عليه مؤامرات الأعداء والخونة، بشكل أسكت الطامعين، وقضى على آمال المتربصين، ولله أمر يريد أن يمضيه، وما علينا سوى التسليم له، فبيده الأمر كله، والله المستعان، وعليه التكلان.